سیما تیڤی

سفرة اللبن عند الإيزيدية (سه‌فه‌را ماستا ل جه‌م ئێزديان)

كامل خديدا يزيدين

مقدمة/

كان الدين الإيزيدي تاريخه وطقوسه، على مر العصور، محط اهتمام العديد من الباحثين الذين سعوا لاكتشاف أسرار هذا الدين وكشف تاريخه العميق. فما يميز الإيزيديين هو قدرتهم على الحفاظ على تقاليد وطقوس عريقة تتوارثها الأجيال عبر الزمن، ما يمنحهم مكانة خاصة في سجل الحضارات القديمة. ومن بين هذه الطقوس، نجد “سفرة اللبن” أو “سه‌فه‌را ماستا”، وهي طقس ذات جذور تاريخية عميقة يحتفل بها الإيزيديون بشكل خاص في معبد لالش المقدس، وبالأخص في جنوب كوردستان.

يمكن القول بأن دراسة العادات والتقاليد التي ما تزال تمارس لدى الإيزيديين، وخصوصا ً في المناسبات الدينية والأعياد، تكشف بشكل لا لبس فيه عن قدم الدين الإيزيدي وعراقته بالمقارنة مع حضارات الشعوب القديمة مثل السومريين، البابليين، الآشوريين، والميترايين….الخ. فعلى الرغم من قلة المصادر التاريخية المكتوبة التي تسلط الضوء على عمق هذا الدين، إلا أن الطقوس التي استمرت عبر الأجيال تؤكد ارتباطها بجذور حضارات بلاد ما بين النهرين القديمة.

في هذا البحث، نسلط الضوء على إحدى الطقوس القديمة وهي “سفرات اللبن” ونتتبع أصولها التاريخية. من خلال تحليل هذه الطقوس، سنستكشف الروابط التي تربطها بطقوس مشابهة كانت تمارس في حضارات بلاد ما بين النهرين، وسنرى كيف كان لهذه الطقوس أهمية محورية في حياة تلك الحضارات القديمة، سواء من الناحية الدينية أو الاجتماعية.

خصائص وميزات سفرة اللبن (سه‌فه‌را ماستا) عند الشعوب القديمة/

عند البحث في طقوس ومعابد حضارات بلاد ما بين النهرين القديمة، خاصة في

سومر، بابل، وآشور، نلاحظ تشابهاً واضحاً بين تلك الطقوس وتقاليد الإيزيديين، مما يعزز الفرضية القائلة بأن “سفرات اللبن” قد تكون طقسا ً مشتركا ً يعود بجذوره إلى تلك الحقبة الزمنية القديمة.

لقد أولت تلك الحضارات أهمية كبيرة للثروة الحيوانية والزراعة، حيث كانت تعتبر مصدراً رئيسياً لنمو المجتمعات البشرية. هذا يظهر جلياً في النقوش والآثار التي وجدت في معابد بلاد الرافدين، مثل معبد (عبيد) الذي زينت جدرانه برسوم تجسد العمليات الزراعية وحلب الأبقار وخض الألبان (ماست كيان) وتحضيرالمنتجات اللبنية وحفظ الايران/ العيران (ده‌و) في أواني كبيرة. وكانت تلك الطقوس تتم كنوع من الشكر والتقدير للآلهة، كما كان يتم تحضير الحليب والخبز والأضاحي كقرابين للأموات، اعتقادا ً منهم بأنها تجلب الخير لهم في الحياة الآخرة (١).

كان الملك البابلي يأمر شعبه، خلال شهر آب، بإقامة طقوس دينية في معابدهم حيث يتم تقديم الألبان والخبز كقرابين (٢). في إحدى الأساطير السومرية، يذكر أن الإله “خودان” كان يحتاج إلى كميات كبيرة من الألبان والخبز، مما يعكس أهمية الألبان في الطقوس الدينية لدى تلك الشعوب (٣).

وعند زيارة المعابد، كان رجال الدين والمواطنون يجلبون مجموعة متنوعة من الأطعمة كقرابين للآلهة، ومن بينها الزبدة والخبز والعسل (٤)، وهي أطعمة أساسية كانت تستخدم في طقوس الزواج المقدس.

– تطهير وتزيين المعابد:

كانت معابد بلاد ما بين النهرين، وخصوصاً في بابل، تهتم اهتماماً كبيراً بالتطهير والتزيين. حيث كان هناك خدم (سادن – مجێور) خاص يقوم بطقوس التنظيف في جزء من

 

المعبد يسمى (رمكي) وتعني البيت النظيف وسادن (مجێور) آخر يسمى (شينكو)

وبالسومرية (سينكا) وكان مخصصا ً لتقديم القرابين (٥).

كان يتم استخدام زيت خاص ذو نوعية جيدة لتطهيرعرش (شمش) وبعض أنواع الزيت الاخرى لتطهير الاله(خودان) نفسه وأجزاء معينة من المعبد. وكان يتم استخدام زيت خاص في تلك الطقوس لتطهير العروش، ومن بين تلك الزيوت كان هناك زيت (قرن الثور) لأغراض الزينة المقدسة (٦). كما أن نظام الإضاءة في المعابد كان يعتمد على الفتائل الزيتية التي كانت توقد في أوعية خاصة (٧) مما يرمز إلى النقاء والنور الإلهي.

يوجد وعاء(شمعدان) خاص في معبد لالش يسمى (چه‌قه‌لته‌و)، يتم وضع الفتائل الزيتية فيها وإيقادها من قبل ناسكات لالش النوراني كطقوس لإضاءة المعبد.

كانت ترمز تلك الاوعية (الشمعدان) والأضواء في المعابد القديمة الى إله النار(نسكۆ).

– الزراعة واستخدام الزيوت:

كانت الأراضي المحيطة بالمعابد في بلاد ما بين النهرين تزرع بالزيتون وبذور السمسم، وذلك لتلبية احتياجات الطقوس الدينية والتجارية (٨).

 

واليوم، لا يزال وجود أشجار الزيتون في معبد لالش ذا أهمية كبيرة، حيث يستخدم الزيت المستخرج من تلك الأشجار في الطقوس الدينية المقامة في المعبد، ما يوضح استمرارية التقاليد عبر العصور.

 

ماذا تعني سفرة اللبن (سه‌فه‌را ماستا)؟

عندما ننظر إلى الطقوس الدينية عند الإيزيديين، نلاحظ تداخلا ً كبيرا ً بين الإنسان والطبيعة، خاصة من خلال طقس “سفرة اللبن” الذي يستمر حتى يومنا هذا. تطورت هذه الطقوس عبر الزمن لتصبح جزءاً لا يتجزأ من التراث الديني للإيزيديين، حيث ترتبط ارتباطا ً وثيقا ً بممارسات الزراعة وتربية الحيوانات التي اعتمدت عليها المجتمعات القديمة.

في العصور البدائية، كان للزراعة وتربية الحيوانات دورٌ محوري في حياة الإنسان، حيث كانت الطبيعة مصدراً رئيسياً للغذاء والمأوى. من خلال الزراعة، تعلم الإنسان كيفية الاستفادة من الأرض، ورأى فيها نعمة يجب الحفاظ عليها من خلال طقوس تعبيرية. تلك الطقوس كانت ترتكز على تقديم القرابين للآلهة، وكان يُعتقد أن تلك الآلهة توفر السخاء والرخاء مقابل تلك القرابين.

تمحورت هذه الطقوس حول الخبز واللبن والزيت، التي كانت تعتبر رموزاً للحياة والوفرة. ويُعتقد أن هذه الطقوس كانت تجلب الحظ الجيد وتحمي المجتمعات من المجاعة والكوارث الطبيعية. بمرور الوقت، أصبحت “سفرة اللبن” تمثل جزءاً مهماً من الطقوس الدينية المرتبطة بالزراعة لدى الإيزيديين.

معنى “سفرة اللبن” عند الإيزيدية/

 

“سفرة اللبن” هي طقس ديني يحتفل به الإيزيديون بشكل دوري في معبد لالش المقدس. ترتبط هذه الطقوس بمفهوم التجديد والتطهير من خلال تقديم الألبان والخبز والزيت كقرابين إلى الآلهة في هذا المعبد.

تبدأ مراسم “سفرة اللبن” مع بداية فصل الربيع، من ١٨ آذار وفق التقويم الشرقي، وتستمر حتى عيد رأس السنة الإيزيدية الجديدة الذي يحتفل به في أول أربعاء من شهر نيسان الشرقي. يجلب أهل القرى الخبز والألبان والزيت إلى معبد لالش في طقوس مهيبة تعبر عن الشكر والتواصل الروحي مع الأرض والطبيعة. ولا يتوجب على جميع القرى الإيزيدية الذهاب الى معبد لالش في نفس اليوم للاحتفال والمشاركة في هذه المراسيم والطقوس.

كما كانت هناك بعض الرحلات الاخرى الى معبد لالش خاصة في فصل الصيف بعد انتهاء موسم الحصاد، لكن تلك الرحلات والسفرات لا تمارس الان.

في فصل الخريف هناك أيضا ً رحلة تسمى ب (نقلا قۆلا)، حيث يجتمع أهل الخير مع الدراويش والناسكين والقلندرية في معبد لالش النوراني والمتدينين والخلمتكاريين ويقصدون الى الجبال المحيطة بـمعبد لالش لجلب الاحطاب وجذوع الأشجار(القولة) والخشب لمعبد لالش لموسم الشتاء.

ومع اقتراب موعد زيارات سفرات اللبن، يذهب البابا شيخ مع جوقته الى معبد لالش المقدس.

 

تفاصيل طقوس سفرة اللبن/

تقوم كل قرية من القرى الايزيدية بتحديد يوم لزيارة أهاليها الى المعبد والقيام بيوم سفرة اللبن لتلك القرية بالتنسيق مع رجال الدين في المعبد .

في مساء سفرة اللبن يقوم مجيور القرية بزيارة كل بيت من بيوت القرية من أجل مشاركة الأهالي في خيراتهم. بعدها تقوم الأهالي بتحضير بعض اللبن والخبز الرقيق والطحين ويجهزون أهالي القرية أيضا ً الزيت وخاصة زيت الزيتون مع حيوان لتقديمه من أجل القربان، ثم يجلبوها الى بيت مجيور(*) القرية أو الى بيت أحد وجهاء القرية. ومع غروب الشمس سينادي المجيور ثلاثة مرات (سوبه‌ با‌نگا  شيخاديه‌) أي أنه يعلن اليوم التالي كيوم سفرة اللبن لتك القرية. وفي المساء يجتمع الرجال والأهالي في المنزل الذي فيه ال (بزر)(**). بعدها يقوم مجيور القرية أو أحد رجالات الدين أو أي شخص متدين آخر بإلقاء بعض القصائد والادعية الدينية بتلك المناسبة، ويشعل بعض الفتائل بتلك الزيت في نفس الغرفة التي فيها ال (بزر).

في اليوم التالي، وفي وقت مبكر من الصباح، يتوجه العديد من أهالي القرية نساء ً ورجالا ً، شبابا ً وشابات وأي شخص له القدرة والرغبة وبالاخص مجيور القرية

الى معبد لالش المقدس. تكون الرحلة عبارة عن نوع من الحج الروحي الذي يتخلله الدعاء والتضرع إلى الرب لتحقيق الأمن والسلام والرزق. وعند وصولهم إلى المعبد، يتم تطهير الوجوه بماء العين البيضاء (كانيا سپى) الصافي كجزء من طقوس التجديد الروحي.

علما ً إنه بالإمكان، أي يجوز قيام عدد من القرى بزيارة معبد لالش في نفس اليوم وإجراء طقوس سفرة اللبن.

ويقال أنه في الماضي غير البعيد، كان أكراد منطقة (تكريت) يحضرون خبزهم والبانهم الى معبد لالش ويجرون طقوس سفرات اللبن دون أية مشاكل(٩).

ومن الجدير بالذكر كان جميع الإيزيديين في الماضي، وخاصة الإيزيديين من شمال وغرب كوردستان، كانوا يرتادون الى معبد لالش ويقومون بطقوس سفرة اللبن، إلا أنهم الآن لا يؤدون ذلك بسبب الحدود السياسية بين الدول التي تتواجد فيها الايزيدية.

 

مراسيم  وطقوس سفرة اللبن (سه‌فه‌را ماستا) في معبد لالش/

تعرف “سفرة اللبن” أيضاً باسم “نقلة الخبز واللبن”، وهي من الطقوس الدينية التي يمارسها الإيزيديون منذ قرون. الأشخاص الذين يشاركون في هذه الطقوس يُطلق عليهم “الجوق”، ويقومون بنقل الخبز واللبن والقرابين إلى معبد لالش المقدس، حيث تمثل هذه الرحلة رمزا ً للتجديد الروحي والاتحاد الجماعي في العقيدة الإيزيدية.

– مراسيم الاستقبال في معبد لالش:

عند وصول الجوق إلى وادي لالش المقدس، يتردد صدى القصائد الدينية والابتهالات التي تُنشد أثناء الرحلة. بمجرد أن يصل الجوق إلى قلب الوادي، يعلن المجيور بصوت عالٍ: “هيا تعالوا استقبلوا بزر شيخادي” (وه‌رنه‌پێشيا بزرێ

شيخادي هێ ێ ێ). عند هذا الإعلان، يستعد كل من بابا شيخ، وأعضاء مجلسه، وبابا جاويش، ومتولي المعبد، وحاملات البخور لاستقبال الجوق وكل ما يحملونه معهم من قرابين. تتعالى أصوات الزغاريد والهلاهل المكان، حيث تُطلقها النساء والكابانيات (النساء اللاتي يحملن البخور) تعبيراً عن الفرح والترحيب.

وعندما يصل الجوق، يتم تقديم (البزر) وكل ما جلبوه إلى متولي المعبد، الذي بدوره يقوم بنقلها إلى الأماكن المخصصة لها داخل المعبد.

– زيارة المواقع المقدسة:

بعد الاستقبال، يقوم جوق القرية برفقة متولي المعبد وحاملات البخور بجولة في المراقد والمزارات المقدسة داخل معبد لالش. تشمل هذه الجولة زيارة الأماكن الروحية مثل “كانيا سپي” و”زمزم”، وهي من أكثر المواقع قدسية لدى الإيزيديين. كما يتم في هذا السياق ذبح القربان وطهيه مع الطعام لتقديمه إلى جميع الحاضرين. هذا الطعام يعتبر “سماطا” (*)، وهو نوع من الولائم المقدسة التي تُقدم في المناسبات الدينية.

– تخزين الزيت والخبز:

من بين التقاليد المتبعة خلال هذه الطقوس، يتم جمع الزيت وحفظه في حاويات خاصة في “هه‌سن ده‌نا”. هذا الزيت يُستخدم لاحقاً لإشعال الفتائل في المراقد والمزارات المقدسة، لا سيما في أيام الأربعاء والجمعة، وكذلك في المناسبات والأعياد الدينية.

أما الخبز والدقيق، فيتم تخزينهما في خزانة خاصة تُعرف باسم “خه‌زنا نانى”، وهي موجودة أمام مجلس بابا شيخ. هذا الخبز يستخدم لتقديمه لضيوف المعبد خلال الأعياد والمناسبات الدينية، ويعتبر رمزا للكرم والضيافة. عند زيارة معبد لالش، يُشجع الزوار على أخذ بعض هذا الخبز معهم إلى بيوتهم، وهو ما يُعرف

بـ “السماط”، كبركة من المعبد لأفراد عائلاتهم.

– عملية إعداد اللبن:

جزء أساسي من هذه الطقس يشمل اللبن الذي يُحضر من القرى إلى معبد لالش. تقوم النساء والفتيات بوضع اللبن في أوعية خاصة تُسمى خضاضة (مه‌شك)، ثم يبدأن بعملية الخض لاستخراج الزبد والعيران (ده و) منه. يتم جمع العيران في حاويات كبيرة، حيث يُمزج لبن القرى الإيزيدية معاً في تعبير رمزي عن وحدة العقيدة والمصير المشترك للإيزيديين.

 

 

خضاضة (مه‌شك) بعد مخض اللبن واستخراج الزبد والعيران    قدور حفظ الزيت في (هه‌سه‌ن ده‌نا) في معبد لالش

 

ختام طقس “سفرة اللبن” والعودة إلى القرية:

بعد انتهاء مراسيم “سفرة اللبن” (سه‌فه‌را ماستا) وتناول “السماط”، يستعد أهالي القرية للمغادرة. قبل رحيلهم، يطلبون المغفرة من الرب ثم يودعون معبد لالش المقدس، ليعودوا إلى قراهم وهم محملون بالبركات.

من ضمن العادات المتبعة، يقوم مجيور القرية أو “غنام” القرية بجلب بعض اللبن (ده و) كخميرة لحليبهم الممزوج بماء العين البيضاء (كانيا سبي) من معبد لالش وذلك لإعتقاد الإيزيدية، بتجدد البانهم بماء العين البيضاء (كانيا سپى) بهذه الطريقة كل سنة، بالإضافة إلى الخبز المقدس، ويقوم بتوزيع هذه البركات على أهالي القرية، خصوصا ً أولئك الذين لم يتمكنوا من المشاركة في الطقس.

– استخدام اللبن والخميرة:

كل أسرة في القرية تقوم باستخدام اللبن الذي جلبه المجيور، حيث يتم خلط بعض العيران (ده و) مع الحليب المحلي ليكون بمثابة خميرة للحليب الذي يصنعونه طوال العام. هذا التقليد يعكس اعتقاد الإيزيديين بأن خلط اللبن بماء العين البيضاء (كانيا سبي) يجدد اللبن ويباركه كل عام. ويقول الإيزيديون في هذا السياق: “الخبز من خزانة الرب، والخميرة(هێڤێن) من العين البيضاء (كانيا سپى يه‌)“.

– الأهمية الرمزية للخميرة:

المجتمع الإيزيدي هو مجتمع زراعي ورعوي بالأساس، شديد التعلق بالحياة اليومية والموارد الطبيعية التي تعتمد على الزراعة وتربية المواشي. ورغم بساطة طقس “سفرة اللبن”، إلا أن هذا الطقس يحمل دلالات ومعانٍ رمزية عميقة. فالخميرة (هێڤێن) تُستخدم يوميا ً في عملية تخثر الحليب والحفاظ على حموضته، وهذه العملية المادية تحمل معاني روحية أعمق. فالخميرة ترمز إلى استمرارية الحياة وحركة الفصول الدائمة التي تجلب معها مواسم الجوع والفقر، لكنها تعود أيضا ً بالسعادة والرخاء. ولأهمية الخميرة اللامحدودة، استخدمتها العديد من الحضارات القديمة في طقوسها وعاداتها.

– القداسة والتقدير لماء العين البيضاء:

اللبن المخلوط بماء العين البيضاء المقدس في لالش يُعتبر مصدرا ً للحياة والتجدد

لدى الإيزيديين، ويُستخدم كخميرة (هێڤێن) للحليب ليكون طازجا ً ومباركا ً كل عام. هذه الممارسة تؤكد الأهمية الخاصة لمعبد لالش، كمركز روحي وثقافي للإيزيديين، والأرض التي ينبع منها ماء العين البيضاء. ولهذا السبب، نجد أن اسم “لالش” يُذكر في العديد من النصوص الدينية الإيزيدية، كرمز للتجدد والحياة، بل وكعامل أساسي في تكوين الأرض واستقرارها، تماما ً كما تعمل الخميرة على تخثر الحليب وتحويله إلى لبن.

هذا المعنى العميق يظهر بوضوح في بعض النصوص الدينية، مثل “قول زه‌بووني مه‌كسور”(١٠)، حيث تُستخدم الصور المجازية التي تربط بين لالش والخلق والاستقرار الأرضي:

عه‌رد  ما  بووی  به‌هتی              بقيت الأرض باهتة

ب  خدوده‌كی  خددی                   ثم تصدعت

گۆ:عه‌زيزێ من عه‌رد بێ يی وێ سورێ نا ته‌بتى   قال: يا عزيزي لا تتثبت الأرض من دون ذلك  السر

**       **       **     **

پشتی  چل هه‌زار سالی ب هژماره       بعد أربعين ألف سنة معدودات‌

عه‌ردی  ب خۆرا نه‌ گرت حه‌شاره          لم تستقر الأرض

هه‌تا لالش دناڤ دا نه‌دهاته‌  خواره     الى أن أنزل فيها لالش

**    **      **        **

لالش   كو   دهاته                        عندما حل لالش ‌

ل  عه‌ردی   شين   دبوو   نه‌باته      اخضرت النباتات في الارض‌

پێ  زه‌ينى  چيقاس  كنياته              فأزدان بها الكون‌

**       **      **      **

– ماء العين البيضاء واعتقادات الإيزيديين:

لماء العين البيضاء (كانيا سبي) أهمية خاصة لدى الإيزيديين، حيث يُعتبر عنصراً أساسياً في طقوس “سفرة اللبن”. ووفقاً للتقاليد الإيزيدية، يجب على كل شخص يزور معبد لالش لأول مرة أن يتعمد نفسه بماء العين البيضاء، فهي رمز للطهارة والبركة.

يُعتقد أيضا ً أن ماء العين البيضاء لم يتلوث أثناء “طوفان النبي نوح”، حيث غمرت المياه السوداء كل الأنهار والينابيع في الشرق الأوسط، واختلطت بالتراب إلا ماء العين البيضاء، التي بقيت نقية وصافية. لهذا السبب سميت بهذا الاسم، وتعتبر منبعاً مقدساً يستمد منه الإيزيديون طهارتهم وبركتهم.

الخلاصة/

في النهاية، يعتبر طقس “سفرة اللبن” تقليدا ً دينيا ً وثقافيا ً عريقا ً يعكس الروابط العميقة بين الإيزيديين والطبيعة. إذ تعبرعن وحدة المجتمع والتآزر بين أهالي القرى المختلفة. تُعزز هذه المراسم التواصل الروحي مع القوى الطبيعية وتُكرّس علاقة الإنسان مع الأرض والطبيعة عبر الأجيال.

هذه الطقس يمثل جزءا ً لا يتجزأ من التراث الإيزيدي، وتكشف عن استمرار الشعائر الزراعية التي تعود جذورها إلى حضارات ما بين النهرين القديمة. من خلال هذه الطقوس، يستمر الإيزيديون في الحفاظ على هويتهم الدينية والثقافية، معبرين عن ارتباطهم بالأرض والطبيعة التي تمثل مصدر الحياة والرزق، مما يعكس قوة العقيدة الإيزيدية وقدرتها على الصمود رغم التحديات التاريخية والسياسية.

المصادر والهوامش/

 

١. مقدمة‌ في تاريخ الحضارات القديمة‌/ طه باقر/ الجزء الاول/ ١٩٥٥، ص ٤١٨.

٢. عقائد ما بعد الموت/ نائل حنون/ ص ٢٠.

٣. من الواح سومرالى التوراة/ د.فاضل عبد الواحد علي/ بغداد/ ١٩٨٩ ، ص ٢٤٧.

٤. مجلة لالش (المجلة الفصلية لمركز لالش دهوك – كوردستان)/ العدد (١٠)/ ١٩٩٩، ص ٦٩.

٥. عظمة‌ بابل/ هاري ساكس/ وه‌رگێران د.عامر سليمان/ موصل/١٩٧٩، ص ٤٠١.

٦. الحياه‌ اليومية‌ في بلاد بابل واشور / جورج كوتينو/ ص ٣٤٠.

٧. المصدر السابق/ ص ٦٣.

٨. عظمة بابل/ هاري ساكس/ ترجمة د.عامر سليمان/ موصل/ ١٩٧٩، ص ٣٢٠.

(*) المجيور: خادم المراقد والمزارات والعتبات المقدسة في القري الايزيدية، يقوم كل أيام الأربعاء والجمعة وأيام الأعياد والمناسبات الدينية بإشعال الفتائل الزيتية لتلك المزارات، ودوره واضح ومهم في جولات الطاووس وطقوس سفرات اللبن ونقل البزر.

(**) البزر: هي تلك المواد التي تم تهيئتها وجمعها في منزل سادن القرية لنقلها الى معبد لالش لاجل أداء هذا الطقس.

٩. مجلة لالش (المجلة الفصلية لمركز لالش دهوك- كوردستان)/ العدد (١٠)، ١٩٩٩، ص ٤٢.

(*) سماط: أكلة خاصة تعمل في أيام الأعياد والمناسبات من قبل مجيور القرية وعائلته.

(**) القربة (مه‌شك): تعمل من جلد الغنم أو الماعز بعد تجفيفه، وتستخدم في مخض اللبن وإخراج الزبد واللبن.

١٠. ئێزدياتى/ خدرێ سلێمان و خليل جندي/ بغداد، ١٩٧٩، ص ٥٤.

 

 

 

 

– ملاحظة/

. نُشر هذا البحث لأول مرة باللغة الكوردية (بالأحرف اللاتينية) في العدد ١٦ من مجلة لالش، التي يصدره مركز لالش الثقافي والاجتماعي في دهوك، عام ٢٠٠١.

. في ٢٠/١١/٢٠١١، قُدم البحث كندوة في مؤتمر الأعياد والمناسبات الإيزيدية الذي نظمه البيت الإيزيدي في مدينة أولدنبورغ بألمانيا. لاحقا ً، في عام ٢٠١٣، تم نشره ضمن كتاب العطلات الإيزيدية، باللغة الكوردية (بالأحرف اللاتينية)، من قبل البيت الإيزيدي في أولدنبورغ.

. بتاريخ ١/٤/٢٠١٨، وبعد تحديث وتصحيح البحث، نُشر للمرة الثانية على صفحتي في الفيسبوك، كما تم نشره على العديد من مواقع الإنترنت مثل بحزاني نت، وشبكة لالش، بالإضافة إلى منصات التواصل الاجتماعي الأخرى.

. وأيضا ً بتاريخ ٢٠/١١/٢٠١١ تم تقديمها كندوة في مؤتمر الأعياد والمناسبات الإيزيدية الذي نظمه البيت الإيزيدي في أولدنبورغ بألمانيا. بعدها في عام ٢٠١٣، تم نشر كتاب العطلات الإيزيدية باللغة الكوردية (الأحرف اللاتينية) من قبل البيت الإيزيدي في مدينة أولدنبورغ في ألمانيا.

 

. بتاريخ ١/٤/٢٠١٨، وبعد تحديثه وتصحيحه، تم نشره للمرة الثانية على صفحتي بالفيسبوك والعديد من مواقع الإنترنت مثل بحزاني نت وشبكة لالش وشبكات التواصل الاجتماعي.

 

 

 

 

 

><