سیما تیڤی

الفنان جميل رشكاني يحول الألم إلى لحن

 خلو خلاني
يعد الفنان الكبير جميل رشكاني واحدا من ابرز الاصوات الايزيدية التي تركت بصمة واضحة في الغناء الشنكالي تميز بموهبة ثلاثية الابعاد نادرة فهو شاعر يكتب كلماته بنفسه وملحن يصوغ الحانه بصدق وعمق ومطرب يؤديها بصوت يحمل نكهة الشجن ويصاحب نفسه بالعزف ليكتمل العمل الفني في صورة متكاملة كأن صوته يخرج من اعماق الجراح حاملا وجعا إيزيديا متراكما عبر السنين وحين يغني يشعر المستمع ان الدموع تسيل من اوتار صوته قبل ان تسيل من عينيه.
جميل الياس حيدر المعروف ب جميل رشكاني ولد في شنكال عام 1973 في قرية شنانيكي بدأ مشواره الفني عام 1992 وتعلم الغناء على يد فنانين كبار مثل خدر فقير وجلو شنكالي منذ بداياته ادرك ان الفن ليس وسيلة للمتعة فقط بل رسالة انسانية وموقف اخلاقي قام بتأليف مجموعة من الاغاني الفلكلورية التي صارت جزءا من التراث الغنائي الشنكالي ومن بينها سليمانى عمر شهيدي كوهبل فرمانا شنكال وعن شهداء 3 اب 2007 في هذه الاغاني كان يسكب كل ما حمله قلبه من وجع فيتحول النص الى دمعة واللحن الى صرخة والاداء الى لوحة مليئة بالاسى.
اختار جميل لونا غنائيا واحدا ظل وفيا له طيلة مسيرته وهو اللون الحزين الذي يسميه اهل شنكال ب الغريبي هذا اللون الغنائي يعتبر من اكثر الالوان قربا الى قلوب الايزيديين خاصة كبار السن لانها يستحضر الماسي والويلات التي عاشها المجتمع عبر الفرمانات والابادات المتكررة صوت جميل في الغريبي لم يكن مجرد غناء بل صار بمثابة ذاكرة جماعية تعيد للاذهان ما تعرض له الايزيديون من ظلم ومعاناة كانت اغانيه تتحول الى شهادات حية على التاريخ وفي كل مقطع يذكر جمهوره بان الجراح ما زالت مفتوحة وان القبور لم تجف تربتها بعد.
شخصيته بعيدة عن الصخب والضوضاء فهو انسان هادئ بطبعه متواضع في سلوكه قريب من الناس يعامل الجميع بروح نقية وبساطة خالية من التعقيد لا يهمه المال والمظاهر ولا يبحث عن الشهرة بل يحمل هم شعبه على كتفيه كأنه قدر مكتوب عليه رغم الظروف القاسية التي مر بها لم يستغل موهبته الفنية من اجل الكسب المادي على الرغم من امتلاكه لكل المؤهلات التي تتيح له ان يسلك هذا الطريق كما فعل الكثير من الفنانين الاخرين هذه السمة جعلته في نظر جمهوره مثلا للفنان الصادق الذي يضع رسالته فوق اي اعتبارات اخرى.
جميل رشكاني ليس مجرد فنان عابر بل شكل مدرسة فنية خاصة به الاغنية عنده لم يكن للتسلية فقط بل كانت اداة للتوثيق والتعبير والبوح الجماعي في كل لحن يؤديه ينساب الحزن كجدول من الذكريات فيعيد للمستمع صور القرى المهدمة ووجوه الامهات الثكالى وصدى خطوات الاطفال المهاجرين على الطرقات كان صوته يذكرنا بالرحيل القسري والمقابر الجماعية ويجعل المستمع يشعر وكأنه يعيش لحظة الحرمان من جديد لعل هذا ما جعل اغانيه تكتسب مكانة روحية عند الايزيديين فهي ليست مجرد فن بل جزء من الذاكرة الثقافية والروحية للمجتمع.
الغريبي عند جميل لم يكن مجرد لون غنائي بل اقرب الى الرثاء الجماعي الذي ظل يمارس طقسيا عبر القرون لتثبيت الذاكرة ومقاومة النسيان في صوته كانت هناك دموع الامهات اللواتي فقدن ابناءهن ووجع الرجال الذين دفنوا احبتهم في مقابر جماعية مجهولة وصدى الاطفال الذين ناموا جوعى تحت خيمة باردة بهذا الشكل تحولت اغانيه الى ما يشبه الارشيف الصوتي لتاريخ مثقل بالجراح.
يمكن القول ان تجربة جميل رشكاني تختصر العلاقة العميقة بين الفن والهوية لدى الايزيديين فالفنان هنا لا يسعى للنجومية ولا يبحث عن اضواء الشهرة بل يتحول الى حامل للذاكرة الانسانية وصوت للمعاناة والصمود ووسيلة للحفاظ على لغة الروح الايزيدية من الاندثار الفنان جميل اشبه بشجرة جرح عتيقة اوراقها اغاني حزينة وجذورها مغروسة في ارض شنكال تسقيها دموع شعبه لتبقى شاهدة على الت

><