سیما تیڤی

الإيزيديون، ذاكرة الإبادة وصمود الهوية.

سما/ دهوك

بقلم: خالد حسو

يشكل الإيزيديون جزءاً أصيلاً من الشعب الكوردي، وجذراً راسخاً في تاريخه وذاكرته الحضارية، وقد ارتبط مصيرهم عبر القرون بمسار هذا الشعب في مواجهة الظلم والإنكار ومحاولات الإلغاء.
فهم ليسوا مجرد مكون ديني فحسب، بل حضور تاريخي عميق في هذه الأرض، حملوا هويتهم وعقيدتهم رغم كل ما واجهوه من تحديات قاسية ومتواصلة.
وعلى مدى التاريخ، تعرض الإيزيديون لعشرات حملات الإبادة والاضطهاد والتهجير القسري، في سلسلة طويلة من الفرمانات التي استهدفت وجودهم الديني والقومي في آن واحد.
فقد أُحرقت قراهم، وهُدمت مزاراتهم، وسُبيت نساؤهم، وشُردت عائلاتهم، وتعرضوا لمحاولات مستمرة لطمس هويتهم واقتلاعهم من جذورهم. ورغم ذلك، بقي الإيزيديون متمسكين بإيمانهم وتراثهم وانتمائهم، محافظين على وجودهم وهويتهم عبر أجيال متعاقبة .

وتبقى الإبادة الجماعية التي وقعت في الثالث من آب عام 2014 واحدة من أبشع الجرائم في العصر الحديث، حيث تعرض الآلاف للقتل والاختطاف والسبي والنزوح، في محاولة واضحة لاستهداف وجودهم الديني والثقافي.
إلا أن هذه الجريمة لم تكن بداية المأساة، بل امتداداً لسلسلة طويلة من المعاناة التاريخية التي رافقت الإيزيديين عبر قرون من الزمن .

إن الديانة الإيزيدية ليست مجرد معتقد ديني، بل هي واحدة من أقدم الديانات الكوردية الأصيلة، المتجذرة في عمق التاريخ الديني والحضاري للمنطقة، والتي حافظت على وجودها رغم التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة عبر آلاف السنين.
وقد شكلت هذه الديانة جزءاً من الإرث الروحي القديم للشعب الكوردي، وبقيت شاهدة على استمرارية الهوية والتاريخ في هذه الجغرافيا .

وتقوم الديانة الإيزيدية على قيم سامية من المحبة والسلام والتسامح والإخاء الإنساني واحترام الإنسان، فهي تدعو إلى التعايش ونبذ العنف والكراهية والقتل والتطرف والإقصاء والتهميش، وتؤمن بأن الإنسان قيمة مقدسة يجب صون كرامته بغض النظر عن دينه أو انتمائه .

إن الاعتراف بالديانة الإيزيدية ليس امتيازاً يُمنح، ولا منّة من أحد، بل هو واجب وطني وإنساني وتاريخي وأخلاقي، وحق أصيل لشعب حافظ على وجوده رغم كل محاولات الإبادة والطمس .
كما أن إنصاف الإيزيديين والاعتراف بمعاناتهم يشكل خطوة أساسية في طريق العدالة وحماية التنوع الديني والثقافي .

إن القضية الإيزيدية والقضية الكوردية تمثلان وجهاً واحداً لراية واحدة لا تنكسر، لأن ما تعرض له الإيزيديون كان جزءاً من تاريخ طويل من المعاناة المشتركة، ولأن الدفاع عن وجودهم هو دفاع عن جزء أصيل من الهوية الكوردية نفسها.
ورغم كل ما مرّ به الإيزيديون من مآسٍ وإبادات ومحاولات محو، فإنهم ما زالوا يحملون رسالة الحياة، ويؤمنون بأن المحبة أقوى من الكراهية، وأن السلام أقوى من العنف، وأن الشعوب المتجذرة في التاريخ لا يمكن اقتلاعها، مهما اشتدت المحن وتكررت الجراح .

><