سما_دهوك
بقلم: غازي نزام
تعد الديانة الأيزيدية من الديانات التَوحيدية القَديمة في بلاد ِوادي الرافدين أَو مابين النَهرين ( ميسوبوتاميا) وجبال زاكروس والأناضول، حيث تَعرضَ أبنائها الى العَشرات من الأبادات الجماعية أَدت الى قَتلهم وسبي نِسائهم وأَطفالهم وهَدم مُدنهم وقُراهم وتَغيير ديمُغرافيتهم وتاريخهم وآخرها ماتَعرضَ لها أَهلنا في سنجار الى أبشع جريمة عَرَفها التأريخ الحَديث بِحق هذهِ الديانة المُسالمَة على يَد عصابات دولة العراق والشام ( داعش ) يوم 3\8\2014 (الأبادة – فرمان 74 ) أدت الى قَتل الآف من الأَطفال والرجال والنِساء ولايَزال أَكثر من 2300 أمرأة وبنت سَبايا ومُختطفات لدى التَنظيم في عِداد المَفقودين ومئات اللآف من المُشردين والمُهجرين تَحت الخيَم المتُتَهرِئة مُنذ 12 عاماً في ظل ظروف طبيعية وصحية وأقتصادية بالغة الصعوبة والقسوة . هذهَ الأبادات والفَرمانات لَم تأتي عَبثاً أَو أعتباطاً بَل نَتيجة مَزاعم وأدعاءات باطلة وُجِهت اليهم وأُلصِقَت بِهم وبِديانتهم من قِبل رِجال دين مُتشددين جاءوا بِفَتاوى وأَحكام فقهية باطلة لاتَمت بديانَتهم بصِلة لامن بَعيد ولامن قَريب أستَشاروا بِها ملوكهم وسَلاطينهم وأُمرائهم من العَباسيين والعثمانيين والسَلاجقة والمَغول وغيرهم، لَيس لِسَبب ما سوى لقَتلهم وأبادتهم ولكي يَثبتوا هؤلاء مَكانتم في مراكز القوة والقِيادة ومَنافعهم الشَخصية وهم لَيسوا إلا وِعاظاً لسادَتهم وسَلاطينهم ،أَحاطو بهم بهالة من الغُموض والمَعلومات الخاطئة بالغة السوء عَن الديانة الأيزيدية، القَت بِظلالها على عَدد كبير من المؤرخين والباحثين والكُتاّب وكذلك المُستَشرقين الأجانب القادمين من أوربا وَأسيا ودول أُخرى وأثَرت عليهم سلباً في البَحث والكِتابة عَن الأيزيدية، أَول هؤلاء الشيوخ هو الشيخ عِماد الدين محمد أَبو حامد بن يونس ( حجة الأسلام مفتي الفُرق بالموصل )عام 635 هجرية حيث سَخرهُ بدرالدين لؤلؤ والي الموصل لأصدار فتوى بحق الديانة الأيزيدية للأنتقام منهم والغَدر بشيخهم الجليل الحَسن بن عُدي (رَحمهُ الله) تَحت ذريعة الظلالة والكُفر وأدعاءات باطلة أخرى، وتلاهُ عَدد من الشيوخ منهم.
الأمام أَحمد بن حَنبل
الأمام أبن تيمية
أَبو فراس شبل
المَلا مَحمود البايَزيدي
شَرف خان البدليسي
السَمرقندي
المَسعودي
الشيخ عبدالله الرَبَتكي المَعروف بالمدرس
وفتاوى أبو سعود العَمادي مفتي الدولة العُثمانية في عهد السلطان سليمان القانوني والسلطان سليم الثاني حيث قادت هذهِ الفتاوى الى العَديد من الأبادات الجَماعية بِحَق الأيزيديين أستَمرت لفترات طَويلة. وعَن ذات المَوضوع يَذكر الدَمَلوجي في كتابهَ عَن اليزيدية أسماء مستشرقين ومؤرخين وَقَعوا في أَخطاء جَسيمة في أبحاثهم عَن الإيزيدية منهم
1.الأستاذ عَباس العَزاوي في كتابهَ تاريخ الأيزيدية وأصل عَقيدتهم
- المستر جورج برسي بادجر أبحاثهِ عن اليزيدية – اليزيدية أَو عَبدة الشيطان
- أوليا جَلبي وأبحاثهِ عَن اليزيدية
- الشيخ علي الشَرقي النَجفي
- السائحة الأنكليزية (مس روزيتا) وأبحاثها عَن الأيزيدية
- الشيخ عبد السلام المارديني ( مفتي ماردين ) – تاريخ أم العبر
- الشوبي المعروف بأبن المَهدوب مِن علماء القرن الثالث عشر الهجري
- الدكتور قسطنتين زريق ، أستاذ التاريخ الشرقي في جامعة بيروت الأمريكية في كتابهِ ( اليزيدية قديماً وحديثاً )
وباحثين ومؤرخين كأبن الأثير والطبري وأبن كثير والشهرستاني والذهبي ومؤرخي القرن العشرين أمثال سامي سَعيد الأَحمد وعبد الرزاق الحَسني والديوه جي وعباس العَزاوي وكُتّاب وباحثين مُعاصرين آخرين لاحصر لهم .ناسين أَو مُتَناسين ماتدعوا اليه أديانهم وأديان أُخرى الى التَسامح وقبول الأخر والعَيش بسلام وَوِئام معاً من أَجل عالم خالي من العُنف والقتل . فَفي الديانة الأسلامية وردت العَديد من آيات التسامح والتَعايش في كُتبهم وأحاديثم ومنها على الأقل ما جاء في سورة البقرة الآية ( 256) ( لا أكراه في الدين قد تَبيَن الرُشد مِن الغَي ) وهي قاعدة تَدل على حرية الأعتقاد ، ثم جاءت في الديانة المَسيحية في أنجيل متى عَن التَسامح وقبول الآخر أصحاح 5 الآية 44 ( وأما أَنا فأقول لَكم :أَحبوا أَعْداءَكُم وباركوا لاعِنيكُم ، وأحْسِنُوا الئ مُبغضيكُم وَصَلُّوا لأَجْل الذِينَ يُسيئون اليكم ويَطرُدُونَكم ) وفي اليَهودية نَرى واضحاً عن التَسامح وحب الأخر في سفر لاوين الأصحاح 19 الآية 18 (( لاتَنتَقم ولا تَحقد على أَبناء شَعبك ، بَل تَحب قريبك كَنَفسَك . أَنا الرَب )). ناهيك عّما وُرد في نصوص وفلسفات الديانات القديمة والتي لامَجال لذكرها لمحدودية البحث .
أَحمد تَيمور باشا ( اليَزيدية ومنشأ نَحلتهم )
مُنذ فترة ليسَت بِقريبة وأَنا أَبحث عَن كتاب اليَزيدية ومنشأ نَحلَتهم للمؤرخ والباحث أحمد تيمور باشا والذي صَدر في نهاية العشرينات من القرن الماضي في القاهرة وَقبل حَوالي مِئة عام وتَحديداً في عام 1926 وطُبع في عام 1928 وَكونهِ مَصدراً مُتَداولاً ومُعتمداً في عَدد من المَقالات والدراسات عَن الديانة الأيزيدية مِما دَفعني الفضول لأقتِنائهِ وشرائهِ من أحدى مَكتبات محافظة دهوك في زيارتي الأخيرة الى كردستان ظَناً مني بأنهُ مَصدر تاريخي مُهم يَمتاز بِمصداقية تاريخية وعلمية وحيادية لِمايَحتَويهِ من مَعلومات عَن ديانة شَرقية قَديمة عاصَرت أَديان وفلسفات ماقَبل التأريخ ( الديانة الأيزيدية ) أضافة الى كَون الكاتب من خَلفية كُردية من طَرف والدهِ أسماعيل باشا ولكونهِ أَول مؤرخ وكاتب أزهري أتهم الأيزيدية بأتهامات باطلة ومؤسس سردية هذهِ الأتهامات ثم نَقلوا عنهُ مؤرخين من بَعدهُ كتَقليد مُسَلم بهِ دون نَقد ، ويُعَد من أبرز أَعلام النهضة العَربية ولهُ العَشَرات من الكُتب في التاريخ واللغة والأَدب وكان عضواً في مجلس الشيوخ المَصري وَالمَولود في القاهرة ( 1871 م – 1930 م ) وجَمع واحدة من أَكبر المَكتبات الخاصة في عَصرهِ عُرفت باسم الخِزانة التَيمورية ، وله بحوث َعَن كتُب الأيزيدية المُقَدسة الجَلوة ومَصحَف ره ش مَحفوظة في خزانتهِ في القاهرة وكان مِن المؤَمَل زيارَته من قِبلنا للبَحث والتَنقيب عنهم حيث قال أن :-
اليزيدية طائفة من الأكراد يَسكن أكثرهم جهات الموصل ووِلاية أَرَوان الروسية ومنهم طَوائف من نَواحي دِمشق وبغداد وحَلب ، وهم من أَغرب طوائف المُبتَدعة : يَدينون بِعِبادة الشيطان ويَقولون بالتَناسخ ، ولهم في كَتْم نَحلتهم والأحتفاظ بأَسرارهم مُبالغة شَديدة طَوت أَمرهم عَن الناس ، وماكان من نزول طاؤوس ملك الى الأَرض وأقامتهِ ملوكاً لليزيدية ومُقاومة اليَهود والنصارى والمسلمين والعَجم لهم ، وفيهِ أن كافة الطَوائف من نَسل آدم وحَواء ، أَما شيت ونوح وأَنوش وهم آباء اليزيدية الأَولون . وهم يُعادون رِجال الدين ويَبغضونهم، بَل لَو ظَفروا بِهم يَقتلونهم أَشنع قَتل ، وأن وَقعت الكُتب الأسلامية في أيديهم لَمَزقونها وأتلفوها ، وذلك مَشهورة لاسترة لَها ، ومنها أنهم يَحلُّون الزِنا أذا جَرى بالتَراضي ، كَما يُمَكنون شيوخهم من زَوجاتهم ومَحارمهم ، وزَعمهم هم في يَزيد على ماجاء في كتابهم الأَسود ( ومصحف رش ) * ثم يَقول الكاتب في (فصل منشأ أعتقادهم في يَزيد ) أن شيخهم عدي بن مسافر من أقتصد وغالى وحسَّن الظَن بيَزيد بن معاوية وعَن ذلك يَقول ( فقد ظَفرنا بنسخة عتيقة من عقيدتهِ ناقصة من آخرها ) ، وعَن أبن تيمية يَقول (( أعتقد بَعضهم أن يَزيد كان من الأَنبياء . ويَقولون : مَن وَقف في يَزيد وقفهُ الله على نار جَهَنم )) ثم يَقول عَن الأيزيدية أنهم لَم يَكونوا إلا طائفة من الصوفية ثم صاروا من غُلاتهم وما زالوا يَتَمادون في الغَي حتى بايَنوا جَميع الفُرق الأسلامية وخَرجوا من الأسلام جُملةالأصول المَعروفة في عَقائد أَهل السُنَة والجَماعة ،وفي مَوضع آخر يَصف شيخهم الجليل حَسن بن شيخ عادي بالطاغية ، قَد يَرى البَعض أن ماجاء في هذا الكِتاب وعلى لسان كاتبهِ أَحمد تيمور باشا قَد لاتُمثل آرائهِ وأعتقاداتهِ تِجاه الأيزيدية بل ماجاء بها هي خُلاصة آراء مَن أعتمد عَليهم من مؤرخين وكُتّاب عاصروا هذه الدِيانة وكذلك على ماجائت في كُتبهم الجَلوة ومَصحَف ره ش وَعَن كلام مايَزعمون اليه أتباعهم . ولكن الخُلاصة التي ذَهب اليها المؤَخ من خلال ( النتيجة ) في الصفحة الأخيرة من الكتاب تُشير بوضوح تام أن آرائهِ لاتختلف كثيرا على ماجاء في كتابهِ هذا بَل أَحياناً تَتَطابق معاها نصاً وَتفسيراً ، حيث يؤكد أن هذهِ الطائفة تَكَوَنت على يَد الشيخ عُدي في القرن السادس الهجري الحادي عشر الميلادي وأنها سُميت بالعدوية نسبة اليه ثم تَسَمَّت بعد ذلك باليَزيدية وأن منشأ أعتقادهم في يَزيد بن مَعاوية من شيخهم هذا ، وأن طريقتهم تَقلبتْ بعد ذلك في أَطوار ، فبدأ فيها الأنحراف في زَمن الشيخ حَسَن بن عُدي بن أَبي البَرَكات ، ثُم تَوالى عَليها النَقص والزيادة والتغيَّير والتَبديل قرناً بَعد قرن حتى وَصلت الى ماهي عليها الآن ولعَل َّ فيما ذَكَرناه مايَزيل الألتباس ويُوَضح الغموض الذي تَكنف هذهِ النِّحلة الغَريبة ، ومُنتَحليها ، فَترك الناس في عَمياء من أَمرهم حقبًا طويلة . أنتهى الأقتباس .
تَعقيب وأستدلال :-
تَعقيباً على ماورد من مَزاعم وأدعاءات باطِلة تِجاه الأيزيدية على لسان المؤرخ والباحث أَحمد تَيمور باشا ، أَود الأشارة بأختصار الى أَهم الدلائل والحقائق التاريخية والفَلسفية التي تُفَنّد وتنكر هذه الأدعاءات في الديانة الأيزيدية ، فالأيزيدية هي ليست طائفة مُبتَدعة وأنما ديانة قديمة تَستمد عَراقتها وأصالتها من طقوسها وعاداتها وتَقاليدها والتي عادة ما تَرتَبط بالطبيعة والروح ، ولايدينون بِعبادة ( الشيطان ) بَل يَعبدون الله الواحد الأَحد الكلي القُدرة الذي لَم يَلد ولم يولد بحسب نصوصهم الدينية والذي يَصدر منهُ الخَير والشَر ويضيء الكَون بنورهِ ، وأن الشَر في نَظرهم ليسَت قوة الطَبيعة وأنما هو أظهار للرَغبة الحُرة الصادرة من الله وبعد المصالحة العامة يَنتهي أَمرهُ وقد أنفصل الخير بصورة مؤقتة عَن روح الله ، وعبّر عنها شيخهم عُدي بن مسافر في مقولتهِ الشَهيرة (( لوكان الخير بغير أرادة الله ، لكان عاجزاً . ولايَكون العاجز الهاً ، لأَنهُ لايَجوز أَن يَكون في دارهِ مالايُريدَهُ ، كَما لايَجوز أَن يَكون فيها مالايَعلم بهِ )) . وعَن طاؤوس ملك الأيزيدي الذي هو قِبلة للعبادة والتَقديس وهو الأسم الآخر لله، وكلمة تاووس كما هي باللاتينية ( Ta+ wos )والمعلوم أن كلمة تاووس مركَبة من مقطعين ( تاو + ؤوس ) ومن هذا يّتّضح لنا معنى الأسم وهو ( نور الأله ) أَو الأله النور حسب النص الديني ( قه ولى تاؤةس ملك – نص ديني صحيح ومُعتَمد عن طاؤوس ملك ) وأن أتهام طاؤوس ملك (Tawisi -Melek) مَلكاً للشَر المطلق والعاصي والمُتَمرد على أَمر الله ومشيئتهِ في الميثولوجيا الأيزيدية هي دراسات بَعيدة عن حقيقة اللاهوت الأيزيدي لأنها تَستَند الى الفَرَضية السامية ، والأيزيدية لَم يَقتلوا رِجال دين من أَية ديانة أُخرى وهم ليسو فرقة أسلامية ولايعبدون شخص يزيد بن معاوية ، وأن كلمة ( أي – زى – دى – Ei – zi -di) تعني باللغة السومرية والكتابة المسمارية بحسب عالم الأثار الأيزيدي ( لافرى نابو ) الذين يَسلكون الطَريق الصَحيح ، وأن شيخم الجَليل الحَسَن بن عُدي هو ليس طاغية كَما يَدَّعي الكاتب بَل هو فيلسوف زَمانهَ وشاعر ولهُ أَشعار وَمؤلفات كثيرة ونال شُهرتهُ بين شيوخ زَمانهِ وعاصر كل من الشيخ جلال الدين الرومي وشمس الدين التبريزي وتأثر بهما وتعلم منهم الكثير كفلسفة وحدة الوجود والمعرفة الباطنية والمَحبة والتسامح والحب الألهي وعَلَم أَتباعُهُ ولايزال يُمارسونها ومُتمسكين بها ، كما هو واضح في الكثير من نصوصهم الدينية المُقَدسة ومنها النص الدين (( خه ملا هه زارو ئيك ناف ))
ئه ف دنيا دنيايه كه مه زنه
يه تزيه ز قه ولو مه سه بو دينه
هه رئيك بزارى خو بزمانى خو خودى د عه بينه
____________________
ئه ف دنيا دنيايه كه ب ريزه
يه تزيه ز قه وم و مه سه ب و هيزه
هه رئيك بزارى خو بزمانى خو خو دى د به ريسه
هنا نرى بوضوع مايشير اليه النص الدين حول حُرية العبادة والأعتقاد لكل الناس بِمختلف أَديانهم ومذاهبهم وأَقوامهم وكل بلسانهِ .
المَصادر :-
*. جلوة ومَصحف ره ش ، كَتبها المرحوم الشيخ حَسَن بن عدي ولَم نَقف على النسخ الأصلية منها ، حَيث أتلفَت أَثناء الأبادة التي تَعرضت لها الأيزيدية في شمال العراق ولالش على يَد السلاجقة بقيادة الصالح أسماعيل أبن بدرالدين لؤلؤ عام 653 هجرية 1255 ميلادية والنسخ المتداولة هي ليسَت حقيقية وغير صحيحة
العَهد القَديم – التَوراة
العَهد الجَديد – الأَنجيل المقدس
القران الكَريم
تاريخ أَربل لأبن المستوفي
سعيد الديوه جي الموصل في العهد الأتابكي
أَحمد تيمور باشا ، اليزيدية ومنشأ نحلتهم
صديق الدملوجي ، اليزيدية
د. خليل جندي ، صَفحات من الأدب الديني الأيزيدي
هوشَنك بروكا ، لُغز طاوسي ملك ، أَواصر الخير والشَر في الأيزيدية
