سیما تیڤی

عشيرة الهراقية الأيزيدية والجذور التاريخية.

سما_ دهوك
بقلم: سيروان سليم شرو
تعتبر عشيرة الحراقية أو الهراقية واحدة من أقدم وأعمق الروافد البشرية والروحية في التاريخ الأيزيدي وفي جغرافيا وادي الرافدين بأسرها ولم تكن هذه العشيرة مجرد تجمع اجتماعي حيث يرتبط اسم الحراقية بالنور والنار وهو معنى يتناغم بعمق مع الطقوس الأيزيدية العريقة في معبد لالش الشريف حيث يرتبط اسمهم تاريخيا بوقد السرج وإشعال الفتائل المقدسة.
تنقلنا الذاكرة الاجتماعية والمراجع الدينية والشفاهية المتوارثة عن الآباء والأجداد إلى جغرافيا بالغة الأهمية حيث كانت الحراقية تسكن في العصور القديمة وبدايات العصر الإسلامي في الجانب الأيمن من نينوى التاريخية بينما كان الإخوة المسيحيون يسكنون الجانب الأيسر من الموصل وقبل وصول جيوش الفتح الإسلامي في زمن الخليفة عمر بن الخطاب كانت هناك أواصر متينة وجوار تاريخي بين أجداد الحراقية والمسيحيين في تلك الربوع وتذكر الروايات الشفاهية المحفوظة في صدور الشيوخ قصصا وملاحم عن وقوف الحراقية جنبا إلى جنب مع جيرانهم المسيحيين دفاعا عن أرضهم وهويتهم وعن الثأر المشترك والدفاع المستميت الذي خاضوه ضد التحولات السياسية والعسكرية الوافدة إلى نينوى والموصل في ذلك العصر مما يثبت عمق الجذور والأصالة لهذه العشيرة في تربة نينوى التاريخية
وتفيد الروايات المتوارثة عن الآباء والأجداد بأن العشيرة نزحت في بداياتها الأولى من تكريت متجهة نحو الحضر مدينة الشمس التاريخية ومن ثم انتقلوا إلى الموصل أو ما يسمى نينوى أي البيت الجديد ولا تزال محلة الحراقية ومحلة الشمس ومزار شيشمس موجودة في الموصل كشواهد حية على ذلك الوجود التاريخي لحد الآن ولكن العشيرة واجهت محنة قاسية في إحدى الغزوات والفرمانات. الإسلام العربي بعد أن غلقت الأبواب السبعة عليهم وتمت إبادتهم ولم يخلص بأرواحهم من تلك الفاجعة إلا الرجال والشباب الذين كانوا يعرفون السباحة حيث قفزوا في نهر دجلة مستعينين بالمياه للنجاة وبعد هذه الحادثة سكن الناجون بالقرب من باطنايا ثم نزحوا إلى منطقة جهنمكئ بالقرب من تلسقوف ومن ثم سكنوا تلول قرى بن كندي الحالية وهي دوغاتا وسريشكة وخوشابا ليتحركوا بعدها نحو محطات استقرارهم الأخيرة
هذا العنفوان الحربي والوفاء العقائدي تجسد بوضوح في محطات مفصلية من تاريخ الأمارة الداسنية العريقة ففي زمن الأمير الشهير مير جعفر الداسني وثورته الكبرى للدفاع عن الوجود الأيزيدي تذكر الروايات الأيزيدية أن النواة الصلبة لجيشه وأكثرية المحاربين الأشداء الذين التفوا حوله وخاضوا معه المعارك التاريخية كانوا من رجال عشيرة الحراقية الذين تميزوا ببسالة منقطعة النظير مستمدة من إيمانهم الباطني الراسخ بأن الدفاع عن الأرض والأمير هو واجب مقدس يرتبط بكرامة الوجود ولم يتوقف هذا الدور القيادي عند عهد مير جعفر بل امتد وتجلى في عهد الوالي الأيزيدي الشهير إيزدي ميرزا الذي حكم الموصل وكان رمزا للقوة والعدالة وتذكر المصادر المتوارثة أن شيخ وموجه إيزدي ميرزا الروحي كان من شيوخ عشيرة الحراقية حيث كان الوالي يعتمد عليهم اعتمادا مطلقا في إدارة شؤون الولاية وفي تثبيت دعائم الأمن والدفاع نظرا لأمانتهم وصدقهم وقدرتهم العالية على القيادة وحفظ الأسرار الروحية والزمنية
استقرت العشيرة أخيرا في قريتي خورزان وكرساف وبوزان وتفطيان وتعتبر قرية كرساف وقرية خورزان بأكملهما من عشيرة الهراقية كما يتواجد قسم من العوائل في قرية بوزان وتذكر الروايات أنه عند نزوحهم من الموصل تفرق شمل أخوان من العشيرة حيث توجه أحدهما إلى جبل مقلوب ومن ثم سكن في قرية بحزاني والآخر أتى إلى قرية خورزان لتتوزع العشيرة بين هذه القرى ولهذه العشيرة تاريخ طويل في الموصل وتحديدا في تل النبي يونس الذي كان لهم حيث كان يسكن هناك واحد وعشرون عائلة من الأيزيديين الحراقية في عام 1919ميلادية وفي أواخر ذلك العام جرت عليهم ظروف قاسية واعتنقوا الإسلام بالسيف وصاروا يعرفون اليوم بأكراد النبي يونس في الموصل ويجدر بالذكر أن الحراقية المسلمين في الموصل يسمون عشيرتهم بعشيرة الحركان حاليا
ترجع شجرة النسب الخاصة بالعشيرة إلى جدهم الأقدم مامك وله ثلاثة أولاد تفرعت منهم العائلات وهم علي وسلو اللذان استقرا في خورزان وكرسافا وعمر الذي استقر في باعدرا ومن الناحية الميثولوجية والطبقات الدينية يعتقد الحكماء في الموروث الأيزيدي أن الروح الحراقية هي روح سارية في الزمان لا تموت بل تتجدد في كل جيل لحماية خط الولاية والنور الرباني وتذكر الميثولوجية الأيزيدية أن الحراقين والبريممين والخيسكيين والدوملية هم إخوان أربعة يجمعهم رابط تاريخي وروحي واحد وعشيرة الحراقيين هم مريدون لشيخ شمس وپيرهم هو پيرافات كما يعتبر ممي شفان مربيا لقسم منهم ويعد شيخوبكر مربيا لقسم آخر وهم في تركيبتهم الروحية يتبعون كمريدين لخط ملك شيخسن وپير هسنممان مما يمنحهم مكانة وخصوصية في النسيج الاجتماعي والديني الأيزيدي حيث يجمعون بين شرف الانتساب لعشيرة حمت الإمارة وبين الالتزام بآداب وأسرار السلوك الروحي الباطني الذي يحافظ على ديمومة النور الإلهي في القلوب
وقد برز من عشيرة الحراقي عبر التاريخ العديد من الوجهاء والشخصيات البارزة الذين أداروا شؤون مجتمعهم بالحكمة والكرم ففي قرية خورزان برز اسكان بكو رشو حيدر والمرحوم خدر أيزدين وناصر سعدو نعمو خورزي.. وفي قرية كرساف عرف الناس نرمو علي اغا والياس كمو حراقي وسعيد ئيزين حراقي.. وفي قرية بوزان برز شمدين سلو رشو حراقي كما برز في قرية ملاچپرا الشخصية الوجيهة المرحوم اسماعيل حكيم ومام عيدو قاسو…..
وفي سياق الحفاظ على هذه الجذور التاريخية والروابط العائلية التي لم تندثر رغم تقادم السنين والظروف القاهرة وهناك رواية يقال في عام 1992 ميلادية جاء إلى بيت مام سمايل خدر حكيم في قرية ملا چپرا وفد من الرجال مدينة الموصل وقالوا له نحن من محلة باب الحراق في الموصل وقد يتجاوز عددنا أكثر من ثلاثين عائلة ونحن مسلمون بالاسم فقط إلا أننا نعرف جيدا أننا أيزيديون ولا زلنا نتزوج فيما بيننا ولا نتزوج من خارج عوائلنا وعشيرتنا وطلبوا منه مرافقتهم للذهاب إلى مجلس مير تحسين بك لشرح هذا الوضع عسى أن يقبل عودتهم الرسمية إلى دين أجدادهم وفي قصر الأمير تحسين بك حيث رحب بهم واستمع إليهم غير أنه أوضح لهم اعتذاره قائلا لا نستطيع أن نقبل ونفتح باب الدخول والرجوع إلى الديانة في الوقت الحالي لأننا إذا فتحنا هذا الباب لكم فسيكون لزاما علينا أن نفتحه لجميع الراغبين من الأكراد المسلمين بالرجوع إلى دين أجدادهم لتظل هذه الحادثة دليلا ناصعا على بقاء الجمرة الأيزيدية متقدة في نفوس أبناء العشيرة الذين أبعدتهم الفرمانات والظروف السياسية وظلوا متمسكين بنقائهم الاجتماعي الداخلي ونسبهم العريق
ولم يتوقف هذا العطاء والتلاحم والدفاع عن الكرامة عند العصور القديمة بل امتد إلى التاريخ الحديث ليسطر أبناء العشيرة ملاحم جديدة من البطولة ففي نهاية عام ألف وتسعمائة وثلاثة وستين وبداية عام ألف وتسعمائة وأربعة وستين ميلادية هاجمت قوات الجيش العراقي بتعاون مع الجيش السوري عشيرة الحراقية في قريتي خورزان وكرساف وهنا تجسدت الغيرة الرافدينية والأخوة الأيزيدية بأبهى صورها حيث هب رجال القريتين ومعهم الأوفياء من القرى المجاورة للدفاع المستميت واستطاعوا بحنكتهم وشجاعتهم الانتصار على القوة المهاجمة ومقتل قائدها وقد سطر المقاتلون الأبطال من أبناء العشيرة والقرى المؤازرة مواقف مشرفة في التضحية والفداء وكان في مقدمة هؤلاء الأبطال الذين خاضوا غمار المعركة پكو رشو حيدر وحيدر رمو علي وكريت رمو علي ومراد حيدر ورشو سعدو والياس عيدو وحسن حيدر وحسين حيدر عيدو وايزدين عبو وحجي براهيم وخدر أيزدين وعيدو قاسو وخمو درويش سيني والياس اومي ومن الصور المشرفة والمميزة في هذه الملحمة مشاركة رجال غيارى من قرية كبرتو الباسلة ليرتفق الدم بالدم حيث شارك العم خديدا عسكر مراد إلى جانب إخوانه من رجال الحراقية في دحر ذلك الهجوم لتظل هذه الأسماء وهذه الوقفة البطولية مسجلة بحروف من نور في ذاكرة الأجيال وتظل عشيرة الحراقية في قراها الحالية شاهدا حيا على التاريخ السامي العريق في وادي الرافدين ومثالا للتمسك بالقيم الروحية والاجتماعية المتوارثة ونموذجا للأصالة التي تمازجت فيها البطولات بالتضحيات وحفظ الأمانة العلمية والدينية عبر العصور
وحسب رواية الاخ أستاذ ناسر كرسافي. عن عشيرة الحراقية يقول .بعد استدعاء “إيزدي ميرز” إلى الأستانة في تركيا، تدهورت أوضاع الإيزيديين في الموصل، فاضطر قسم منهم لاعتناق الإسلام، بينما غادر القسم الآخر مع عائلاتهم. ومن بين المغادرين الجد “مامك كوفي الحراقي” وأقرباؤه، حيث سكنوا أولاً في قرية جهنمكي شمال قرية دوغات ، ثم انتقلوا إلى آل مكنا، وكفنيي، وقرية بيركي التي تظهر آثارها حتى اليوم، واستقروا أخيرًا في قرية كرساف. رزق مامك بأربعة أولاد وهم درويش، وسلو، وسمو، ورمو. توفي درويش وذريته بسبب مرض الطاعون عام 1778، ولم ينجُ من عائلة سلو سوى “برهيم” وكان عمره لا يتجاوز عشر سنوات وهو الجد الحالي، بينما نجا القليل من عائلة رمو وسمو ويسكن أحفادهم اليوم في قرية خورزان. أما معركة خورزان فقد حدثت عام 1963 في زمن الوحدة الوطنية بين العراق وسوريا ومصر، وشارك فيها الجيش السوري إلى جانب الجيش العراقي. ولم يكن هجوم القوات على عشيرة الحراقية مباشرة، بل تجمعت في قرية الجراحية وهاجمت القرى الإيزيدية مثل كابارا حيث قتلوا ستة من رجالها، وأسروا أهل تفتيان الذين أنقذهم تدخل الأمير تحسين بك. بعد ذلك اتجهت القوات نحو قرية خورزان ودارت المعركة، وكان لرجال كرساف موقف مشرف في إسناد المعركة من الجهة الغربية ومنع القوات من دخول خورزان. ومن أبرز الشخصيات في العشيرة مراد سليم بوزاني، وعمر سليم كرسافي، وعلي عمر المعروف باسم علي آغا الكرسافي.
واخيرا أخر رحلة لـ سفر “نان وماست” من سامراء إلى لالش كانت عام 1932، وكانت تضم من تبقى من عشيرة الحراقية. وفي تلك الفترة، وتحديداً بين عامي 1929 و1932، تعرض الإيزيديون لأكبر حملة إبادة (فرمان)، مما أدى إلى تدمير عشيرة الحراقية وانقسامها إلى ثلاث مجموعات: الأولى بقيت في الموصل واستسلمت مجبرة، والثانية أُجبرت على اعتناق الإسلام وتعرف اليوم بعشيرة الشرفاني بين الأكراد، أما المجموعة الثالثة فقد تشردت وعاشت في الكهوف والجبال والقرى.
المصادر
كتاب (عشائر العراق) – عباس العزاوي مجلد بالعشائر الكوردية
كتاب (الأيزيدية: بقايا دين قديم) – القس أناسستاس
أستاذ پير خلات پير الياس استاذ جاسم قاسم بوزاني سالم ابو سامان الخورز، أستاذ هوكر حيدو…

><