سیما تیڤی

الجديلة الكوردية: رمز المقاومة والكرامة

حسو هورمي
ليست الجديلة أو الضفيرة مجرد تفصيل جمالي في المظهر الكوردي، بل هي رمز عميق متجذر في التاريخ والوجدان، يحمل في خيوطه معاني المقاومة، والشرف، والعزة، والكرامة. إنها علامة هوية قبل أن تكون زينة، ودلالة وجود قبل أن تكون عادة اجتماعية.
ترمز الجديلة إلى التجذر بالأرض، إلى ذلك الارتباط العضوي بين الإنسان الكوردي وترابه وجباله وتاريخه. فهي تعبير صامت عن الاستمرارية والبقاء، وعن شعب تشبث بوجوده رغم محاولات الاقتلاع والطمس التي تعرض لها عبر العصور. ومن هنا، أصبحت الجديلة رمزًا للوجود الكوردي ذاته، شاهدة على هوية لم تنكسر، وإرادة لم تخضع. كما تمثل الجديلة رمزًا واضحًا لرفض الطغيان والاستبداد. ففي ثقافة الشعوب المقهورة، تتحول الرموز البسيطة إلى رايات مقاومة، والجديلة واحدة من هذه الرايات. إن الحفاظ عليها هو فعل تحدٍّ بحد ذاته، ورسالة تقول إن الكرامة لا تُقص، والهوية لا تُمحى.
وعندما أقدم إرهابي على قص جديلة لمقاتلة كوردية شهيدة في روج آفا (سوريا ) ، لم يكن ذلك فعلًا فرديًا عابرًا، بل اعتداءً رمزيًا على كرامة شعب بأكمله. لقد شكل هذا الفعل صدمة عميقة، لكنه في الوقت ذاته وحّد الصفوف الكوردية، وأشعل وجدان الشارع الكوردستاني من جديد. تحولت الجديلة المقصوصة إلى صرخة جماعية، وإلى عامل تعبئة أعاد التأكيد على وحدة الموقف والمصير.
إن مثل هذه الأفعال القمعية، بدل أن تضعف الروح الكوردية، تزيدها صلابة. فكل اعتداء على رمز من رموز الهوية يولد وعيًا أعمق بقيمته، ويعزز الالتفاف الشعبي حوله. وهكذا، بقيت الجديلة مرفوعة المعنى، عصية على القص، لأنها متجذرة في الذاكرة والروح قبل أن تكون خيط شعر.ولم يكن هذا التصرف غير الأخلاقي المتمثل بقص ظفيرة مقاتلة كوردية سوى لحظة كاشفة لحقيقة أعمق. فقد وحّد هذا الفعل المجتمع الكوردستاني بكل أطيافه، على اختلاف أحزابه وأيديولوجياته، في موقف أخلاقي وإنساني جامع. اجتمع الكورد لا بدافع الغضب وحده، بل بدافع الإحساس المشترك بالإهانة التي طالت رمزًا من رموز الكرامة الجماعية.
وفي الوقت ذاته، لفت هذا الاعتداء أنظار العالم إلى معاناة الشعب الكوردي، وإلى معاناة باقي الأقليات في سوريا، من علويين ودروز وإيزيديين ومسيحيين، الذين يواجهون أشكالًا متعددة من الإقصاء والعنف والإنكار. تحولت ضفيرة واحدة إلى مرآة عاكسة لوجع جماعي، وإلى شاهد إنساني على أن الاستبداد لا يفرق بين ضحية وأخرى. كما أظهر هذا الحدث للعالم علو مكانة المرأة الكوردية ورفعتها، بوصفها شريكة حقيقية في النضال والحياة، تتمتع بحقها الكامل في العيش بحرية وكرامة، وعلى قدم المساواة مع الرجل. فالمرأة الكوردية لم تكن يومًا هامشًا في تاريخ شعبها، بل كانت في القلب من معارك الدفاع عن الأرض والهوية، حاملةً السلاح حينًا، وحاملةً القيم والمعنى في كل حين.
وسرعان ما تحولت هذه الحادثة إلى ترند عالمي على منصات التواصل الاجتماعي، وأطلقت موجة تضامن غير مسبوقة. طوفان من البشر جاب شوارع كردستان، وأوروبا، وأمريكا، وأستراليا، في مظاهرات واعتصامات، رُفعت خلالها الشعارات، وقُدّمت الالتماسات إلى البرلمانات الدولية، وأُرسلت التقارير إلى الأمم المتحدة، وكلها تناشد إنصاف الشعب الكوردي ووقف آلة القتل والقمع.
وفي مشهد إنساني مؤثر، تضامنت ملايين النساء والفتيات حول العالم، فجدّلن شعورهنّ في فعل رمزي عميق الدلالة، محولات الجديلة إلى إعلان عالمي للحرية والكرامة، ورسالة تضامن مع المرأة الكوردية ونضالها، ومع حق الكورد في الحرية والاستقلال. هكذا تجاوزت الجديلة حدود الجغرافيا، لتصبح لغة إنسانية مشتركة، تنطق باسم العدالة والكرامة والحق في الحياة.
وفي النهاية، ستظل الجديلة الكوردية رمزًا للمقاومة والشرف والعزة، ودليلًا حيًّا على أن الشعوب التي تحمل هويتها في تفاصيلها اليومية، لا يمكن كسرها مهما اشتد الطغيان.
ملاحظة : نشر هذا المقال اليوم في جريدة التاخي

><