سرحان عيسى
منذ أن ظهر تنظيم داعش كأحد أخطر التنظيمات الإرهابية في التاريخ الحديث، والعالم يعيش تحت وطأة هذا “البعبع” الذي تحوّل من تهديد أمني حقيقي إلى ذريعة سياسية جاهزة. باسم محاربة داعش، أُنشئت التحالفات، وافتُتحت القواعد العسكرية، ورُسمت خرائط النفوذ، فيما بقيت جذور المشكلة بلا معالجة حقيقية، وبقي الضحايا خارج الحسابات الدولية.
لقد ارتكب داعش جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان بحق الكُرد الإيزيديين في شنكال وسهل نينوى، جريمة لا يختلف اثنان على بشاعتها ووحشيتها. آلاف القتلى، عشرات المقابر الجماعية، آلاف النساء اللواتي تعرّضن للسبي والاغتصاب، وأطفال فُصلوا عن عائلاتهم وهوياتهم. هذه الجرائم ليست مجرد “أحداث مؤلمة” في أرشيف المنظمات الدولية، بل جرح مفتوح ما زال ينزف حتى اليوم، في ظل غياب العدالة والمحاسبة.
كما لم تكن كوباني والمناطق الكردية الأخرى في سوريا بمنأى عن هذا الإرهاب، حيث مارس داعش القتل والتدمير على أساس الهوية، في محاولة واضحة لكسر إرادة شعوبٍ اختارت المقاومة بدل الاستسلام. ورغم ذلك، لم تُترجم هذه التضحيات إلى حماية حقيقية أو مشروع سياسي يضمن عدم تكرار الكارثة.
المفارقة المؤلمة أن الولايات المتحدة ودول التحالف الدولي ما زالت تربط وجودها العسكري والسياسي في المنطقة باستمرار خطر داعش، وكأن التنظيم بات ضرورة وظيفية لإدارة الأزمات لا هدفًا يجب إنهاؤه. تُستخدم ورقة “الخطر الإرهابي” للضغط على الحكومات، وابتزاز القوى المحلية، وتبرير التدخلات، بينما تُترك المجتمعات المنكوبة وحدها في مواجهة آثار الكارثة.
إن محاربة داعش لم تعد قضية عسكرية فقط، بل قضية أخلاقية وإنسانية في المقام الأول. فأي حرب على الإرهاب لا تضع الضحايا في مركز الاهتمام، ولا تعالج أسباب التطرف، ولا تنصف المظلومين، هي حرب ناقصة، بل ومضللة. ما الفائدة من هزيمة تنظيم عسكريًا إذا استمرت البيئة التي أنجبته؟ وما جدوى التحالفات إن كانت عاجزة عن إعادة إعمار شنكال، أو إعادة المختطفات، أو ضمان عودة آمنة وكريمة للنازحين؟
من هنا، يأتي هذا الطرح الصادم في ظاهره، والعميق في جوهره: اتركوا محاربة داعش للنساء الإيزيديات. ليس دعوة للعنف، بل إدانة صريحة لعجز المجتمع الدولي. فالنساء الإيزيديات اللواتي واجهن داعش في أقسى لحظات التوحش، ونجون من السبي والموت، يمتلكن من الإرادة والعدالة ما لا تمتلكه الجيوش والتحالفات. هؤلاء لم ينظرن إلى داعش كملف أمني أو ورقة سياسية، بل كعدو وجودي يجب إنهاؤه بلا مساومات.
إن الإيزيديات اللواتي حملن أوجاعهن على أكتافهن، ووقفن شاهدات على واحدة من أفظع الجرائم في القرن الحادي والعشرين، أكثر قدرة على إنهاء داعش أخلاقيًا ومعنويًا من أي حملة عسكرية موسمية. لأن معركتهن ليست مع تنظيم فحسب، بل مع ثقافة الإفلات من العقاب، ومع صمت العالم، ومع ازدواجية المعايير.
بدل الإصرار على إدارة خطر داعش، على الولايات المتحدة ودول التحالف أن تقوم بواجبها الحقيقي: دعم الديمقراطية لا الأنظمة الهشّة، حماية حقوق الإنسان لا الاكتفاء بالبيانات، محاسبة المجرمين لا تدويرهم، وإنصاف الضحايا لا استخدامهم كشعارات. عندها فقط يمكن الحديث عن نهاية حقيقية لداعش، لا كتنظيم مسلح فحسب، بل كفكرة سوداء غذّتها السياسات الخاطئة.
إن استمرار المأساة الإيزيدية ليس فشلًا محليًا، بل وصمة عار في جبين المجتمع الدولي. فإما عدالة حقيقية تُعيد للضحايا كرامتهم، أو اعتراف صريح بأن نساء شنكال كنّ، وما زلن، أشجع وأكثر صدقًا من عالمٍ يتحدث كثيرًا عن القيم ويمارس القليل منها.
ولا يمكن فصل المأساة الإيزيدية عن واقع إيزيديي سوريا على وجه الخصوص، الذين ما زالوا يعيشون في منطقة رمادية قانونيًا ودستوريًا، بلا اعتراف صريح بديانتهم، وبلا حماية حقيقية لوجودهم وهويتهم. إن دول المنطقة، وفي مقدمتها العراق وتركيا وسوريا، مطالَبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالاعتراف الدستوري الواضح والصريح بالديانة الإيزيدية كديانة مستقلة أصيلة في هذه الجغرافيا. فدون هذا الاعتراف، يبقى المواطن الإيزيدي مهددًا في وجوده، مُجرَّدًا من الحماية القانونية، ومُعرَّضًا في أي لحظة لخطاب التكفير، والعنف، والقتل، وتكرار الفرمانات تحت ذرائع دينية أو سياسية. إن محاربة داعش لا تكتمل بالقنابل ولا بالتحالفات، بل تبدأ من تجفيف منابعه الفكرية والقانونية، وأولها إنهاء حالة إنكار الإيزيديين، والاعتراف بحقهم الكامل في المواطنة والكرامة والحياة الآمنة، كي لا تتكرر شنكال أخرى، ولا تُترك النساء الإيزيديات مرة جديدة وحدهن في مواجهة الموت.
