سیما تیڤی

نوري رمو: خدر إلياس من ثورة المنجل إلى أديان العالم.. قصة العيد الذي لم يهزمه الزمن

قبل أن يدوّن التاريخ أسماء الأنبياء على صفحاته، وقبل أن تُبنى المعابد والكاتدرائيات والمساجد فوق هذه الأرض، كان هناك صدىً لصوتٍ واحد يتردد بين الجبال والوديان: إنه صوت الأرض وهي تستيقظ من نومها الشتوي الطويل. هذا الصدى تجسد في عيد “خضر إلياس”، الذي يمثل الهوية الأولى للبشرية يوم انحنى الإنسان ليزرع البذرة الأولى، معلناً الانتقال من حياة الصيد القاسية إلى حياة الاستقرار والكدح المقدس.
1. جذور ضاربة في عمق التراب
لا يمكن فهم عيد “خضر إلياس” كطقس ديني ضيق، بل هو احتفاء بـ “الثورة الزراعية”. فعندما اكتشف الإنسان سر القمح وعرف كيف يروّض التربة، أدرك أن بقاءه مرتبط بدورة الطبيعة.
في هذا العيد، نجد طقس “البوخين” (Poxîn)؛ وهو مزيج من سبعة أنواع من الحبوب والمحاصيل (القمح، الشعير، الذرة، الحمص، العدس، السمسم، والبذور) يتم تحميصها وطحنها. هذا المزيج ليس مجرد وجبة، بل هو “صك شكر” للأرض، واعتراف بفضل المحاصيل السبعة التي أبقت الإنسان حياً في مواجهة الشتاء القارس.
2. تجلي الخضر في الأديان: جوهر واحد وأسماء شتى
مع تطور الحضارات وتشعب المعتقدات، لم يختفِ هذا العيد، بل تغلغل في وجدان الشعوب واتخذ في كل ثقافة ثوباً جديداً، ليصبح جسراً يربط بين الأديان:
• في الإيزيدية: ظل العيد محتفظاً بأصالته تحت اسم “خضر إلياس” أو “يوم المُراد”، حيث يُعد رمزاً لتحقيق الأماني والبركة.
• في الإسلام: تجلى في شخصية “الخضر” (العبد الصالح) أو “الخضر الحي”، رفيق الأنبياء ودليل الضالين الذي يترك وراءه أثراً أخضر أينما حل.
• في المسيحية: نجد تقاطعاً كبيراً مع شخصية “مار جرجس” (القديس جورج)، الفارس الذي يصرع التنين (رمز القحط) ليعيد الحياة، أو في طقوس تشبه “الفالنتاين” في جوهرها العاطفي.
• في اليهودية: يتمثل في النبي “إيليا” (إيلياهو هانافي)، الفارس الخالد الذي يُنتظر حضوره في كل بيت.
• في العلوية: يمثل الخضر (خضر الزنده) رمزاً للنجدة الكونية؛ فهو “حاضر ناظر” يغيث الملهوف ويحمي الحياة في لحظات الخطر.
3. فلسفة السلام: عيدٌ بلا دماء
لعل أجمل ما يميز هذا العيد في ميثولوجيا وفلسفة الديانة الايزيدية هو “قدسية الروح”. ففي أيام “خدر إلياس”، يمتنع المحتفلون عن إراقة الدماء أو ذبح الأضاحي؛ لأنه عيد “بزوغ الحياة”، ولا يمكن الاحتفاء بالحياة بالموت.
أما طقس “القرص المالح”، فهو الجانب الرومانسي من هذا الإرث؛ حيث يتناوله الشباب والفتيات قبل النوم على أمل أن يروْا في منامهم “شريك العمر” الذي سيسقيهم الماء، في مزج عبقري بين عطش الروح (الحب) وعطش الأرض (الماء).
خاتمة: إرث الإنسان لا يشيخ
إن “خدر إلياس” ليس ملكاً لدين بعينه، بل هو ميرثٌ مشاع لكل من لامست يداه تراب هذه الأرض. هو رسالة من أجدادنا الأوائل تقول: إن الأديان وإن اختلفت أسماؤها، تلتقي جميعاً عند نقطة واحدة: السلام مع الطبيعة، تقدير الكدح، ونقاء السريرة.
في عالمنا اليوم، نحن أحوج ما نكون لاستعادة روح هذا العيد؛ لنزرع الحب كما نزرع القمح، ونقدس الحياة كما فعل المزارعون الأوائل قبل آلاف السنين

><