خلو خلاني
في شنكال لم يكن صبري شنكالي مجرد فنان. كان صوتا يعيش بين الناس يدخل بيوتهم يجلس معهم في أفراحهم وأحزانهم ويخفف عنهم تعب الأيام. كان صوته يشبه تراب الجبل بسيط صادق ومليء بالألم واليوم بعد رحيله تشعر شنكال أن جزءا منها قد انطفأ.
أربع سنوات مرت على وفاته لكن الوجع لم يهدأ. ما زال الخبر ثقيل على القلوب صبري شنكالي لم يعد هنا. رحل في عمر السادسة والثلاثين بعد صراع مع المرض. عمر قصير وأحلام كثيرة لم تكتمل رحل فجأة وكأن الحياة لم تمنحه الوقت الكافي ليقول كل ما يريد أن يقوله بصوته.
الألم لا يكمن فقط في رحيله بل في الطريقة التي ترك بها خلفه سبعة أطفال. سبعة قلوب صغيرة كانت تعتمد على صوته على حضوره على دفء يديه. أطفال كانوا ينامون على صوته وهو يتدرب أو يعود من مناسبة وهو متعب لكنه مبتسم ثم جاء يوم وسكت الصوت. بقيت الصور وبقيت التسجيلات لكن الأب لم يعد.
صبري لم يكن يبحث عن شهرة أو أضواء كان يبحث عن شيء أكبر أن يبقى تراث شنكال حيا كان يخاف أن تنسى السترانات أن تضيع الكلمات القديمة أن يصمت صوت الأجداد لذلك حملها في حنجرته وغناها بإخلاص. كان يشعر أن هذه الأغاني أمانة وكان يؤديها وكأنها جزء من روحه.
في سترانا ( شيرؤكى ) كان يحكي قصص الماضي قصص الألم والصبر وكأن التاريخ يتكلم من خلاله.
و سترانا ( بسمامؤ ) كان صوته منخفضا حزين كأنه يبكي بصمت. سترانا ( سودالي ) كان الحب يتحول إلى وجع وكأن القلب لا يحتمل الفراق و سترانا ( ملولو ) كان الحزن واضح جدا حزن صافي بلا كلمات كثيرة فقط إحساس ثقيل يجلس في الصدر.
في سترانا ( سارى ) كان يرفع صوته رغم الألم وكأنه يقول إن الكرامة تبقى حتى لو تعب القلب.أما ( يمان كولى ) فاليوم نشعر أنها كانت وداعا طويلا كأنه كان يترك لنا صوته ليبقى بعده كان الشوق يمتد طويلا كأن الانتظار لا نهاية له كان صوته يجعلنا نشعر أن هناك شيئا ضائعا نبحث عنه ولا نجده.
يوم وفاته لم يكن يوم عادي في شنكال كان يوم صامت الناس لم يجدوا كلمات كافية شعروا أن صوتا كان يواسيهم قد اختفى كأن الجبل نفسه فقد صداه حتى الأغاني في ذلك اليوم كانت تبكي.
عندما نستمع اليوم إلى تسجيلاته نشعر بشيء مختلف نشعر أن صوته يحمل حزنا أكبر مما كنا نفهمه من قبل كأننا نسمع فيه وداعا لم ننتبه له صوته الآن يوجع أكثر لأنه يذكرنا بأنه لم يعد بيننا.
رحيل صبري شنكالي لم يكن خسارة فنية فقط بل كان خسارة إنسان كان أب وأخ وصديق وصوت صادق في زمن صعب ترك وراءه فراغا لا يملأ ترك ذكريات وصورا وأغاني أصبحت اليوم أثمن من أي شيء.
هناك أصوات كثيرة تغني لكن ليست كل الأصوات تبقى, صبري بقي لأن صوته خرج من قلب صادق لكنه في الوقت نفسه غاب وهذا الغياب هو الألم الحقيقي أن نسمعه ولا نراه أن نشتاق إليه ولا نستطيع الوصول إليه.
صبري شنكالي الصوت الذي كان يخفف عن الناس أوجاعهم ثم رحل وترك وجعا أكبر سيبقى اسمه محفورا في ذاكرة شنكال وسيبقى صوته يتردد في الجبال لكن الحزن على رحيله سيبقى أيضا ما دام هناك قلب يتذكره ويدعو له بالرحمة
