سیما تیڤی

المرأة الإيزيدية وذاكرة الحضارات القديمة: من الثوب والحُليّ إلى حفظ الهوية والتراث عبر الأجيال

سما_دهوك
بقلم: علو خلف الشرف، مؤلف كتاب “الإيزيديون وذاكرة السومريين”
مقدمة: حين تتحول المرأة إلى ذاكرة حيّة للحضارة
عندما نتأمل تاريخ الشعوب القديمة، لا ينبغي أن ننظر إلى الحضارة من خلال الملوك والقصور والمعابد والتماثيل وحدها؛ فهناك جانب آخر من التاريخ عاش داخل البيوت، وفي الحقول، وبين الأمهات والجدات، وانتقل من جيل إلى آخر دون أن يُدوَّن بالضرورة في ألواح الطين أو الكتب.
إنه تاريخ الحياة اليومية، الذي حفظته النساء والرجال من خلال العمل والعادات واللباس والطعام والحكايات والطقوس والممارسات الاجتماعية والدينية.
ومن هذا المنطلق، أرى أن دراسة الموروث الإيزيدي تقتضي النظر إلى المرأة الإيزيدية بوصفها إحدى الحلقات الأساسية في استمرار الذاكرة الثقافية للمجتمع، وإلى ما احتفظت به من تفاصيل الحياة اليومية التي قد تساعدنا على فهم صلات الموروث الحاضر بتاريخ بلاد الرافدين وحضاراتها القديمة.
أولًا: الثوب النسوي بوصفه جزءاً من الذاكرة الحضارية
عندما ننظر إلى الزي النسوي الإيزيدي التقليدي، بما يتضمنه من ثوب طويل، وأجزاء منسدلة عن الكتف، وأغطية للرأس، وتطريزات وحُليّ، فإننا لا ننظر إلى قطعة قماش فحسب، بل إلى منظومة من العادات والاختيارات الجمالية والاجتماعية التي انتقلت عبر الأجيال.
وتلفت انتباهنا، على وجه الخصوص، طريقة انحدار القماش عن أحد الكتفين في بعض أنماط هذا الزي؛ فهي تذكّرنا بأشكال من الملابس التي ظهرت في تماثيل بلاد الرافدين القديمة، ومنها تماثيل سومرية تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، كما عرفت ثقافات أخرى، ومنها الثقافة الإغريقية، أردية تُلفّ حول الجسم وتنسدل فوق أحد الكتفين.
إن هذا التشابه يفتح أمامنا سؤالاً تاريخياً يستحق البحث: هل احتفظ الزي الإيزيدي ببعض العناصر التي تعود إلى تقاليد أقدم في المنطقة، أم أن أوجه التشابه نشأت من تطورات متقاربة في ثقافات مختلفة؟
لا يكفي تشابه شكل الثوب وحده لإثبات اتصال تاريخي مباشر، لكن المقارنة الدقيقة بين القصّات، وطرق ارتداء القماش، والزخارف، والوظائف الاجتماعية للملابس، يمكن أن تساعدنا على فهم هذه المسألة بصورة أعمق.
ومن هنا، يمكن أن ندرس الزي النسوي الإيزيدي باعتباره جزءاً من الذاكرة المادية الحية، مع ترك مسألة امتداده المباشر من العصور السومرية فرضيةً تحتاج إلى أدلة إضافية.
ثانيًا: الحُليّ والزينة وما تحمله من دلالات
لم تحتفظ المرأة الإيزيدية بالثوب وحده، بل حافظت أيضًا على أنماط من الحُليّ والزينة، مثل الأقراط والقلائد والأساور وقطع الزينة التي توضع على الرأس.
وتظهر في بعض هذه الحُليّ أشكال دائرية وألوان وتفاصيل زخرفية تدعونا إلى مقارنتها بما عُثر عليه من حُليّ في حضارات بلاد الرافدين القديمة.
وقد تكون لبعض هذه الأشكال دلالات رمزية تتصل بالشمس أو القمر أو التصورات الكونية، لكن تحديد هذه الدلالات يتطلب دراسة كل قطعة في سياقها التاريخي والثقافي، وعدم افتراض أن كل شكل دائري يمثل الشمس، أو أن كل زينة تحمل بالضرورة معنى فلكياً.
ومع ذلك، تبقى المقارنة مهمة؛ لأنها تتيح لنا طرح أسئلة حول كيفية انتقال الرموز، وكيفية احتفاظ المجتمعات بعناصر من ذاكرتها الجمالية والرمزية، حتى عندما تتغير المواد وأساليب الصناعة والموضة.
ثالثًا: المرأة وحفظ التراث المادي والشفاهي
إن الدور الحضاري للمرأة الإيزيدية لا يتوقف عند الثوب والزينة، بل يمتد إلى مجالات واسعة من الحياة اليومية.
ففي البيوت، حفظت النساء وصفات الأطعمة وطرائق إعدادها، وعلّمن البنات والأبناء ما تعلمنه من أمهاتهن وجداتهن. وفي المناسبات، شاركن في إعداد الطعام وتقديمه، وحافظن على العادات المرتبطة بالأعياد والمواسم والطقوس الاجتماعية والدينية.
ومن بين الأكلات الشعبية التي ذكرتها في حديثنا: السمات، ودانا كوت، وميرا، وبيخون، والشلك، وغيرها من الأطعمة التي ما زالت حاضرة في ذاكرة المجتمع وممارساته.
إن استمرار هذه الأكلات لا يعني بالضرورة أن كل وصفة بقيت مطابقة لما كان يُحضّر في العصور القديمة، لكنه يكشف عن أهمية الموروث الغذائي في حفظ هوية الجماعة، وعن الدور الذي تؤديه الممارسة اليومية في نقل المعرفة من جيل إلى آخر.
وإلى جانب الطعام، أدت المرأة دورًا أساسيًا في سرد الحكايات الشعبية، ونقل الأمثال، وحفظ الأغاني والأهازيج، وتعليم الأطفال أسماء الأشياء ومواسم الزراعة والعادات الاجتماعية، فضلًا عن نقل كثير من المعارف المرتبطة بالحياة الأسرية والمناسبات الدينية.
وقد لا نجد بعض هذه المعارف مكتوبة في المصادر التاريخية، لكنها ظلت حاضرة في الذاكرة الشفاهية والممارسة المتوارثة.
وهنا تظهر أهمية المرأة بوصفها حافظةً للتراث غير المكتوب؛ فهي لا تنقل الكلمات وحدها، بل تنقل معها طرائق العيش، ومعاني المناسبات، وأشكال التعبير عن الفرح والحزن، والعلاقات بين أفراد المجتمع.
رابعًا: الرجل والمرأة في حفظ الذاكرة الحضارية
كما حافظ الرجال في المجتمع الإيزيدي على جوانب من الموروث المرتبط بالزراعة والرعي والحرف والعمل الميداني، ونقلوا معارفهم وخبراتهم إلى الأبناء، أدت النساء دورًا مكملًا في استمرار هذا الموروث.
فقد شاركت المرأة في الحياة الزراعية والاقتصادية، وفي تنظيم شؤون الأسرة، وتدبير الموارد، وإعداد الغذاء، وتربية الأطفال، ونقل المعارف والعادات التي تساعد المجتمع على مواصلة حياته.
ولا ينبغي أن نفصل هذين الدورين فصلًا جامدًا؛ فقد اختلفت المسؤوليات باختلاف الأزمنة والمناطق والظروف، وشاركت النساء والرجال في أعمال متعددة بحسب حاجات المجتمع.
لكن ما يهمنا هنا هو أن الذاكرة الحضارية لا تُحفظ في مجال واحد. إنها تتوزع بين العمل والمعرفة واللغة والطعام واللباس والطقوس والعلاقات الاجتماعية.
وقد تكون بعض تفاصيل هذه الحياة اليومية قديمة الجذور، غير أن إثبات اتصالها المباشر بالعصر السومري يحتاج إلى مقارنة المصادر الأثرية والتاريخية بالموروث الحاضر.
خامسًا: كيف تؤثر الحروب في ذاكرة المرأة؟
عندما تتعرض الشعوب للحروب والتهجير والعنف، لا تتضرر البيوت والأرض والممتلكات وحدها؛ بل تتعرض أيضًا سبل نقل الذاكرة من جيل إلى آخر للخطر.
فقد تضطر الأسر إلى ترك قراها ومنازلها، وتفقد بعض مقتنياتها وملابسها التقليدية وأدواتها المنزلية. وقد تتشتت العائلات، وينفصل الأطفال عن كبار السن الذين يحملون في ذاكرتهم الحكايات والأغاني والمعارف المتوارثة.
وقد تؤدي هذه الظروف إلى انقطاع بعض الممارسات، أو اختفاء أسماء محلية لأطعمة وأدوات وطقوس، أو تعذّر نقلها إلى الجيل الجديد بالطريقة التي اعتاد عليها المجتمع.
وفي حالة المجتمع الإيزيدي، اتخذت هذه المخاطر صورة مأساوية مع الهجوم الذي تعرض له الإيزيديون في شنكال في آب 2014، وما صاحبه من قتل وخطف وتهجير وعنف جنسي، وتدمير للحياة الأسرية والاجتماعية والثقافية.
لقد استهدفت تلك الجرائم البشر وأمنهم وكرامتهم، وألحقت أضرارًا عميقة بالروابط الأسرية والمجتمعية التي ينتقل عبرها التراث. وكانت النساء والفتيات الإيزيديات من بين الفئات التي تعرضت لانتهاكات جسيمة.
ولا يجوز أن نختزل معاناة المرأة في قدرتها على حفظ التراث، أو أن نجعل من صمودها سببًا لتجاهل ما تعرضت له من ظلم. فحقوقها وكرامتها وحريتها وسلامتها تستحق الاعتراف والحماية بصرف النظر عن دورها الثقافي.
ومع ذلك، فإن ما نراه في استمرار الحياة الإيزيدية بعد الكوارث هو أن التهجير والعنف، مهما كان أثرهما بالغًا، لا يعنيان بالضرورة اختفاء الذاكرة الثقافية. فقد تواصلت بعض الممارسات داخل الأسر ومجتمعات النزوح والشتات، وعادت بعض العادات إلى الظهور في المناسبات والاحتفالات، مع تغيرات فرضتها الظروف الجديدة.
سادسًا: المرأة الإيزيدية واستمرار نقل التراث رغم المحن
إن تقدير دور المرأة الإيزيدية لا يكون بمجرد وصفها بالصبر والتحمل، بل بالاعتراف بما قدمته من عمل ومعرفة ورعاية، وبما بذلته كثير من النساء من جهود للحفاظ على الأسرة واستمرار الحياة الثقافية في ظروف شديدة القسوة.
فحين تعلّم الأم ابنتها طريقة ارتداء الزي التقليدي، أو تشرح لها معنى مناسبة دينية، أو تنقل إليها وصفة طعام ورثتها عن جدتها، أو تروي لأطفالها حكاية قديمة، فإنها تشارك في استمرار ذاكرة الجماعة.
وحين تحافظ النساء على الأغاني والأهازيج والممارسات الاحتفالية، أو يعِدن إحياء تقليد انقطع بسبب التهجير، فإنهن يسهمن في وصل الحاضر بالماضي.
لكن هذا العمل ليس مسؤولية المرأة وحدها. فالأبناء والآباء وكبار السن ورجال الدين والحرفيون والباحثون والمؤسسات الثقافية، جميعهم مسؤولون عن حفظ هذا التراث وتوثيقه ونقله إلى الأجيال القادمة.
ومن واجبنا أن نُكرّم النساء اللواتي حفظن هذا الموروث، وأن نستمع إلى شهاداتهن، ونسجل أسماءهن وقصصهن ومعارفهن، بدل أن تبقى مساهماتهن مجهولة أو منسوبة إلى المجتمع بصورة عامة دون الاعتراف بصاحباتها.
سابعًا: من الذاكرة الحية إلى البحث التاريخي
إن المقارنة بين الزي الإيزيدي والملابس التي تظهر في التماثيل السومرية، وبين الحُليّ المعاصرة والقطع الأثرية، وبين الأطعمة والطقوس الحالية وما نعرفه عن الحياة القديمة، يمكن أن تفتح مجالات واسعة للبحث.
لكن من الضروري التمييز بين ثلاثة مستويات:
أولًا، ما تثبته الآثار والنصوص التاريخية بصورة مباشرة.
ثانيًا، ما يحفظه الموروث الإيزيدي من أسماء وممارسات وحكايات وعادات متوارثة.
ثالثًا، ما نستنتجه من المقارنة بين الماضي والحاضر، وهو ما ينبغي أن يبقى فرضية قابلة للفحص والتعديل إلى أن تتوافر أدلة كافية.
إن احترام التراث لا يتطلب أن ننسب كل عنصر فيه إلى السومريين، بل يتطلب أن ندرسه بجدية، وأن نبحث عن أصوله وتحولاته، وأن نمنح الموروث الشفاهي والمادي مكانته بوصفه مصدرًا مهمًا لفهم التاريخ الاجتماعي والثقافي.
خاتمة: تحية إلى المرأة التي حفظت الذاكرة
إن المرأة الإيزيدية ليست مجرد مرتدية لزي تقليدي، ولا مجرد حاملة لحُليّ ورثتها عن أمهاتها؛ إنها إنسانة شاركت في صناعة الحياة، وحفظت معارف وعادات وطرائق عيش، ونقلتها إلى أبنائها وبناتها عبر أجيال متعاقبة.
لقد أسهمت، إلى جانب الرجل، في استمرار الذاكرة الأسرية والاجتماعية والثقافية والدينية، وفي إبقاء كثير من تفاصيل الحياة اليومية حاضرة رغم تغير الأزمنة والظروف.
وإذا كانت الحضارات القديمة قد تركت لنا آثارها في المعابد والتماثيل والألواح، فإن جانبًا من تاريخ المجتمعات قد بقي أيضًا في الملابس والأطعمة والأغاني والحكايات والطقوس التي استمرت في البيوت وبين الناس.
ومن هنا، فإن دراسة المرأة الإيزيدية ليست شأنًا هامشيًا في دراسة التاريخ، بل هي طريق لفهم جانب من الذاكرة الاجتماعية التي لا تستطيع الآثار وحدها أن تكشف جميع تفاصيلها.
وإلى كل امرأة إيزيدية حفظت حكاية، أو علّمت طفلًا، أو صانت عادة، أو نقلت معرفة، أو ساعدت أسرتها ومجتمعها على تجاوز المحن، أقول: إن ما قدمتِه يستحق التوثيق والتقدير والاعتراف.
فالتراث لا يبقى حيًا لأنه وُجد في الماضي فحسب، بل لأنه وجد في كل جيل من يحمله، ويفهمه، وينقله إلى الجيل الذي يليه.
والتحية والتقدير لكل النساء الإيزيديات اللواتي أسهمن في حفظ هذا الإرث، ولكل من يعمل اليوم على توثيقه وصيانته ونقله إلى الأجيال القادمة، بوصفه جزءًا من ذاكرة المجتمع الإيزيدي وتاريخه وهويته الإنسانية.

><