سما_ دهوك
بقلم: احمد نوزت حسن
تشكل التعددية الدينية والقومية والثقافية إحدى الركائز الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات الديمقراطية الحديثة، وهي مصدر قوة وغنى حضاري يعكس عمق التنوع الإنساني والثقافي. غير أن هذا التنوع قد يتعرض في بعض الأحيان لمحاولات الاستهداف والتشويه من خلال خطابات الكراهية والتحريض التي يروج لها مغرضون وضعاف نفوس لا يؤمنون بثقافة التعايش المشترك واحترام الآخر، ويسعون إلى إثارة الانقسام وبث الفرقة بين أبناء الوطن الواحد.
إن خطاب الكراهية لا يقتصر أثره على الإساءة اللفظية أو المعنوية، بل يتجاوز ذلك ليصبح تهديداً مباشراً للسلم المجتمعي والأمن والاستقرار، لما يحمله من دعوات إلى التمييز والإقصاء والتحريض تجاه الأفراد أو الجماعات بسبب انتماءاتهم الدينية أو القومية أو الثقافية. وقد أثبتت التجارب أن الكراهية تبدأ بكلمة، لكنها قد تنتهي بصراع يمزق المجتمعات ويهدد وحدتها الوطنية.
ومن الناحية القانونية، فإن حرية التعبير تعد حقاً دستورياً أصيلاً، إلا أن هذا الحق لا يمكن أن يمتد ليشمل التحريض على الكراهية أو التمييز أو الانتقاص من كرامة الآخرين. فالقانون يضمن حرية الرأي، لكنه في الوقت ذاته يحمي المجتمع من كل سلوك من شأنه الإضرار بحقوق الأفراد والجماعات أو المساس بالسلم الأهلي.
ومن هذا المنطلق، يبرز الدور التشريعي للبرلمان بوصفه السلطة المختصة بسن القوانين التي تحمي المجتمع وتصون وحدته الوطنية. فواجب البرلمان اليوم لا يقتصر على مراقبة هذه الظاهرة أو إدانتها، بل يتطلب المبادرة إلى تشريع قانون متكامل يجرّم خطاب الكراهية بكافة أشكاله وصوره، ويضع تعريفاً قانونياً واضحاً له، ويحدد العقوبات الرادعة بحق كل من يمارسه أو يروج له أو يحرض عليه، مع توفير الضمانات الكافية لحماية حرية التعبير المشروعة وعدم المساس بها.
إن تشريع قانون لنبذ وتجريم خطاب الكراهية أصبح ضرورة وطنية ملحة تفرضها متطلبات الحفاظ على التعايش السلمي وحماية النسيج الاجتماعي وتعزيز قيم المواطنة المتساوية. فالدولة التي تحترم تنوعها وتحمي جميع مكوناتها بقوة القانون، هي الدولة الأكثر استقراراً وقدرة على مواجهة التحديات وبناء مستقبل آمن لأجيالها القادمة.
إن صون كرامة الإنسان وحماية التنوع وترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل مسؤولية جماعية، إلا أن مسؤولية البرلمان تبقى الأبرز من خلال سن التشريعات التي تحول دون انتشار الكراهية وتمنع تحويل الاختلاف الطبيعي بين البشر إلى وسيلة للتحريض والانقسام.
فالأوطان لا يحميها السلاح وحده، بل تحميها أيضاً القوانين العادلة التي تصون كرامة مواطنيها وتحفظ وحدتهم وتمنع العبث بالسلم المجتمعي تحت أي مسمى أو ذريعة.
