سیما تیڤی

بين الحاجة إلى ضرورة التوثيق ومخاطر العزلة هل يحتاج الإيزيديون إلى جمع النصوص الدينية في كتاب مقدس؟

أصدقائي الأعزاء…زملائي الأعزاء
* ملاحظة: أودّ أن أطرح عليكم بعض الأفكار للتأمل، وأدعوكم بكل ودّ إلى مناقشتها معي وتطويرها. إنني على يقين تام بضرورة العمل الجاد والملح على تنظيم التعاليم الدينية الايزيدية. نهدف إلى تيسير حوار نتأمل فيه معاً بروح التضامن والمعرفة، لنبني بذلك علاقات جديدة، وهذا من شأنه أن يُتيح مساحة مشتركة للتعلم والتثقيف. مع ذلك، ينبغي أن يبقى التركيز على التعاليم الدينية الايزيدية. لم يعد بإمكاننا تحمّل مسؤولية التقصير في نقل جوهر الايزيدية إلى الجيل الشاب. بإمكاننا معالجة هذا الأمر على المستوى المعياري.
منذ عام 2014، سعى الأطفال والشباب الايزيديون بشكل متزايد إلى التأمل في تراثهم الايزيدي، وأبدوا رغبة في الحصول على مزيد من المعلومات حول ديانتهم.
يتوقف مصير الايزيديين وتاريخهم، من بين أمو أخرى، على نجاحها في تعزيز الوعي بوجودنا في الخطاب العام في المهجر، وفي ترسيخ أنفسنا كأقلية دينية. نحن بحاجة إلى فضاءات اجتماعية تتناول السياق الأوسع، على سبيل المثال، فضاءات تعزز الشعور بالهوية.
لا تزال العقيدة الايزيدية تُنقل شفهياً في الغالب، وهذا التراث الشفهي مُهدد بالاندثار في المهجر نتيجة للتغيرات والتحولات الجيلية. ثمة حاجة إلى توثيق وترجمة الممارسات والطقوس والروايات الدينية الايزيدية إلى لغات مثل الكردية والألمانية والانجليزية والعربية والتركية، ونشرها.
لن نحقق النتائج المرجوة إلاّ إذا نبذنا التفكير والشعور والتصور الأناني والمتعالي، وتفاعلنا مع بعضنا البعض بصدق بناء، وأبقينا قلوبنا مفتوحة. ففي نهاية المطاف، فان وجود ديننا ومجتمعنا على المحك، ويتطلب ذلك الحوار الجاد والاحترام المتبادل. لذا أدعوكم إلى تقديم مساهمات بناءة تدفعنا قُدماً في هذا المسعى. إذا أردنا تحقيق المساواة السياسية والقانونية، والاعتراف العالمي بالايزيدية، فان عمليات التفاهم والسلام وإعادة التوافق العميق داخل مجتمعنا تُعدّ بالغة الأهمية.
إن مسألة تجميع النصوص الدينية الايزيدية في كتاب واحد على غرار العهد القديم أو العهد الجديد أو القرآن، يُعدّ واحداً من أكثر الأسئلة حساسية في النقاشات الدائرة حالياً حول مستقبل الهوية الإيزيدية. فهي تمس مسائل الحفاظ على التراق، والهوية، والسلطة، والنفوذ الديني، وإنتاج المعرفة المقدسة. ويمكن النظر إلى الأمر من منظورين رئيسيتين:
أولًا: تستند المجموعة/أو الفريق الأول الذي يؤيد جمع النصوص الإيزيدية في كتاب واحد بعنوان “الكتاب المقدس”، إلى النقاط التالية:
1. على غرار الأديان التي تمتلك نصوصاً مقدسة، كالأديان الابراهيمية: اليهود، المسيحية، الإسلام.
2. ضرورة الحفاظ على التراث الديني في ظل التهديد الوشيك بالإبادة الجماعية، وتشتيت الايزيديين في بلاد المهجر. فبعد إبادة 2014 وما نتج عنها من تهجير واسع، لم تعد المعرفة المنقولة شفهياً كافية. وقد يكون توثيق النصوص الدينية خطوة استراتيجية لمنع ضياع التراث الديني الإيزيدي.
3. توحيد الخطاب الديني ومنع تجزئته، انطلاقاً من قناعة ان وجود أساس نصي موثوق به، يمكن أن يقلل من كثرة التفسيرات العشوائية للطقوس، وتفسيرات النصوص التي تنشأ بسبب ضعف المؤسسات الدينية التقليدية في الداخل أو الخارج.
4. تعزيز التسامح والممارسات الاجتماعية والثقافية والدينية، وإضفاء الشرعية على الدين في جميع أنحاء العالم، لأن الأديان التي تستند إلى أدلة مكتوبة غالباً ما تحظى بفهم أعمق وأكثر وضوحاً لدى الأكاديميين والسياسيين، مما قد يسهم في تعزيز الاعتراف الدولي بالإيزيدية.
5. توفير إمكانية الوصول إلى مواد مكتوبة بلغة مفهومة للأجيال الجديدة والمستقبلية في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية وأستراليا، مما يعزز انتمائهم الديني وشعورهم بالهوية.
ثانياً: المجموعة/أو الفريق الثاني الذي يُعارض تجميع النصوص الإيزيدية في كتاب بعنوان “الكتاب المقدس”، للأسباب التالية:
1. خطر “اختراع الدين على الورق”:
يقوم الدين الإيزيدي على التجربة والتقاليد الشفوية والطقوس؛ فهو ليس ديناً قائماً على النصوص، ولا تحتوي جميع النصوص الدينية الايزيدية على أحكام شرعية. إن التفسير الجامد لهذه النصوص قد يقلل من ثرائها وتنوعها ومعانيها الرمزية.
2. قد يؤدي ذلك إلى احتكار التفسير الدين.
عندما يوجد “كتاب مقدس”، غالباً ما يكون مصحوباً بسلطة مركزية قد تستبعد شخصيات وجماعات دينية أخرى، مما قد يؤدي إلى صراعات داخلية.
3. إنه يكبح روح التعددية وعمق الأساطير الدينية.
4. النصوص المكتوبة تعكس لحظة تاريخية واحدة فقط، بينما تمثل الإيزيدية مجموعة من التعاليم التي نمت عبر آلاف السنين، قد يؤدي تقنينها إلى جمودها وعزلها ضمن إطار جامد.
5. الخوف من تحويل الإيزيدية إلى دين مغلق:
قد يدفع وجود “كتاب مقدس حصري” المجتمع إلى مزيد من العزلة العقائدية، على حساب الحيوية الفكرية والرمزية التاريخية التي تميّز الإيزيدية.
ثالثاً: ما النموذج الأمثل لتجنب التقنين والجمود؟
لا يكمن الحل في منهج ثنائي (نعم/لا)، بل في نموذج تقنين غير لاهوتي ومعرفي قائم على ما يلي:
1. جمع النصوص الدينية كتراث ثقافي، لا كقانون (شريعة).
تُدوّن الأقوال، الأبيات، القصائد، الأدعية، “خزيموك وبايزوك”، التفاسير، النصوص الطقسية، حتى الأساطير والقصص الدينية، وذات الصبغة الدينية، دون إلزام المجتمع باعتبارها “كُتباً مقدسةً” على طراز الديانات الإبراهيمية.
2.ان تنوع التفاسير، ب\لاً من توحيدها تحت مرجعية واحدة كما في الهندوسية والزرادشتية، يُحفظ النصوص ذات الشروح المختلفة، دون وجود مرجعية مركزية تستبعد الآراء الأخرى.
3.الانفتاح على البحث الأكاديمي: يُسهَّل تدوين النصوص عمل الجامعات دون تحويل المعرفة إلى مرجعية دينية.
4. الحفاظ على الطقوس كمصدر أساسي للقداسة: في الإيزيدية تُعاش القداسة وتُمارس، لا تُقرأ فحسب. يجب أن تبقى الطقس محور الهوية الدينية.
باختصار: بين الحفظ والانغلاق؛ نعم، تحتاج الإيزيدية إلى مشروع لجمع وترتيب وتوثيق نصوصها الدينية، لكن لا حاجة إلى “كتاب مقدس” بالمعنى الإبراهيمي الصارم، لأن ذلك يغلق نافذة العقل، ويقضي على روح التعددية الفكرية واختلاف الآراء، ويؤدي إلى التعصب والتطرف والعزلة، وخنق روح البحث الفلسفي (لماذا؟). النص جامد، وعندما يغلف برداء القداسة، ويُحصر بين غلافين، فانه يختم مصير الدين نفسه، ويغلق الباب أما تطوره، ويثبت عدم ملائمته لكل زمان ومكان.
قد يُسهم تأليف كتاب مقدس للايزيديين في الحفاظ على دينهم/ لكنه قد يُقيد طبيعته الإنسانية المنفتحة، ويُنشئ بُنية استبدادية جديدة، ويؤدي إلى صراعات داخلية، ويُفضي إلى ظهور مذاهب (الآدانية، الشمسانية، القاتانية، البيرانية، والمريدية) تتنازع على حق تفسيره.
لذا فان مشروعي المقترح والأنسب هو:
كتاب عن الممارسات الروحية، وكتاب/موسوعة ثقافية– علمية، تجمع النصوص دون فرضها، وتحفظ الذاكرة دون تقييدها، على غرار الكتُبْ الدينية الهندوسية (الفيدا) بالإضافة إلى كتاب (البهاغافاند غيتا) و (رامايانا) و (مهاباراتا). و(آفيستا) الزرادشتية.
خليل جندي
27 تشرين الثاني 2025

><