عيد “الجما” في الذاكرة الإيزيدية والميزوبوتامية
في الثالث والعشرين من شهر أيلول/سبتمبر حسب التقويم اليولياني والموافق في السادس من تشرين الأول/أكتوبر وفق التقويم الغريغوري يحتشد أبناء الديانة الإيزيدية ومحبوهم من مختلف أنحاء العالم في معبد “لالش” النوراني الرابض في أحضان وادي شيخان الجبلي بمحافظة دهوك. على مدى أسبوع كامل تتجسد طقوس ومراسم دينية عريقة تمتد جذورها لألاف السنين لتقدم أنموذجاً إنسانياً حياً في التآخي والإحساس بالانسجام المطلق بين الإنسان والطبيعة.
تتجلى الديانة الإيزيدية كإحدى أقدم العقائد الشرقية التي جعلت من الطبيعة كتابها المقدس ومن حركتها الفلكية دستوراً منظماً لأعيادها وطقوسها ومزاراتها.
وفي قلب هذه المنظومة الروحية يبرز عيد الجما كأكبر المناسبات الدينية وأعمقها دلالة إذ يتجاوز بعده الاجتماعي ليصبح محاكاة طقسية ومعمارية دقيقة للمظاهر الفلكية والدورة الكونية للأرض حول الشمس.
ويرتبط التوقيت التاريخي لزيارة “لالش النوراني” بالاعتدال الخريفي الفلكي وقبل حدوث الخلل الحسابي التراكمي في التقويم اليولياني المتبع ميثولوجياً لدى الإيزيدييين والذي استدعى الإصلاح الغريغوري في القرن السادس عشر (1582م) كان الاعتدال الخريفي يقع بين 20 و23 سبتمبر من كل عام وهي الفترة ذاتها التي يُحدد فيها الاعتدال وفق التقويم الميلادي المعاصر وبالفعل حدث الاعتدال الخريفي في هذا العام ٢٠٢٦ في ٢٣ من شهر سبتمبر بموجب التقويم الميلادي المعاصر.
حيث تتعامد الشمس على خط الاستواء ويتساوى الليل والنهار تماماً. وتُفسَّر هذه الظاهرة في الفلسفة الإيزيدية كرمز للتوازن الكوني المطلق وسكون الطبيعة فهي إعلان عن انتهاء مربعانية الصيف والموسم الزراعي وبداية استعداد الأرض لاستقبال موسم الغيث. تُقام في هذه المناسبة ولائم الامتنان وشعائر التطهير والتبرك بالماء لتهيئة المجتمع والأرض لمرحلة الخصوبة القادمة.
وتؤكد الدراسات التاريخية والميثولوجية أن هذه الشعائر هي امتداد لتقاليد ميزوبوتامية عريقة نشأت في بلاد ما بين النهرين قبل ظهور الأديان الإبراهيمية وقبل قدوم الشيخ عدي بن مسافر إلى لالش المقدس في القرن الثاني عشر الميلادي والذي أُسندت في عهده بعض المسميات الدخيلة على الطقوس لظروف تاريخية وسياسية. ومع ذلك حافظ الإيزيديون على جوهر الطقوس الفلكية حيث يقع رأس السنة الإيزيدية (الأربعاء الأحمر) في ذروة الاعتدال الربيعي ليُمثّل ولادة الكون وتجدد الحياة بينما يمثل “عيد الجما” في الاعتدال الخريفي نقطة النضوج والاستقرار الكوني عبر قطبين متقابلين تماماً بفارق 180 درجة.
ويتعزز هذا البعد الفلكي في العمارة الفريدة لمعبد لالش النوراني من القباب المضلعة والمخروطية التي تعلو المزارات المقدسة صُممت بأضلاع شاقولية تلتقي عند القمة في تصميم يحاكي انبثاق أشعة الشمس من مصدر واحد لتنشر النور على الأرض.
وُجّهت هذه المزارات نحو الشرق ومع حركة الشمس في السماء تتنقل الظلال والأشعة فوق أضلاع القباب بصورة تشبه المرصد الفلكي المسجّل للفصول. كما ترمز قبة “الشيخ شمس” بوضوح إلى مركزية الشمس في النظام الفلكي الذي تدور حوله بقية الكواكب.
ويستمر المراسيم الدينية في لالش النوراني لمدة أسبوع كامل ولكل يوم من الاحتفال له دلالة روحية خاصة:
– اليوم الأول :
يتم استقبال الزوار وإشعال النور حيث يتوافد الزوار من مختلف الأعمار والمناطق إلى زيارة معبدهم المقدس لالش النوراني ومع غروب الشمس يُقام طقس إيفاد 365 قنديلاً بعدد أيام السنة الشمسية من زيت الزيتون المستخرج من أشجار الزيتون في وادي لالش المقدس تعزيزاً لطاقة النور مع تناقص ساعات النهار وتبدأ أولى رقصات “السما” الدائرية الهادئة.
– اليوم الثاني :
تتوسع حلقات رقصة السما في باحة المعبد بمشاركة الكواجك والقوالين والمؤمنين المرتدين للملابس البيضاء حيث يتحركون في حلقات دائرية بطيئة تحاكي حركة دوران الكواكب والنجوم حول المركز الكوني.
– اليوم الثالث (الطواف والتطهر):
يطوف الزوار حول المزارات المقدسة سبع مرات ويتبركون بالمياه المقدسة من نبعي البيضاء وزمزم.
– اليوم الرابع (پري سواركرين ) :
يُقام طقس المتمثل في تعميد وتبديل الأقمشة الحريرية الملونة المباركة على المزارات الدينية بالماء المقدس من نبع البيضاء في إشارة رمزية لتجدد ألوان الطبيعة.
– اليوم الخامس وطقس القباغ والقربان الميزوبوتامي :
ويُعدّ هذا اليوم ذروة الشعائر التضحوية العريقة حيث يُساق الثور المُعد للقربان وسط عزف الدف والشباب باتجاه مزار الشيخ شمس وعند وصوله يُضحى به وتُطبخ لحمه مع القمح المسلوق في أوانٍ ضخمة لصنع طعام مقدس يُسمى السماط ويُوزع على الجميع يمثل هذا الطقس امتداداً للشعائر الميثراوية والميزوبوتامية القديمة التي ترى في الثور رمزاً للخصوبة والقوة الإنتاجية للتربة حيث يفتدي الثور بدمائه المجتمع ويهدئ قوى الطبيعة لنقل الأرض من حرارة الصيف إلى التخصيب الخريفي بينما يحمل الزوار الأغصان الخضراء تبركاً بالنماء الآتي.
– اليوم السادس وطقس بري شباكي :
ويحمل رجال الدين الشبكة النحاسية المقدسة ذات الـ 81 حلقة والمصنوعة على شكل تخت إيزيد وسط ترتيل الأقوال الدينية لتُنقل إلى البركة المقدسة بغرض تعميدها وتطهيرها.
– اليوم السابع (حلقة البركة والختام):
تُختتم المراسم برقصة أمام باب العين البيضاء في حلقات طقسية أخيرة أمامه و يتزود الزوار بالمياه المباركة وينصرفون محملين بالطمأنينة والسلام.
تحول أيام عيد الجما معبد لالش إلى مجسم كوني حي ومرصد فلكي متجسد فالقباب تجسد أشعة الشمس والقناديل الـ 365 تختزل أيام السنة وطقس السما يحاكي دوران الأجرام السماوية بينما يظل طقس القباغ شاهداً تاريخياً على عمق صلة الإنسان بخصوبة الأرض إنه احتفال أزلي باللحظة التي يتوازن فيها الكون ويهدأ العالم في أحضان الخريف.
فكل سنة والإيزيديون والبشرية الخيرة
