سیما تیڤی

بنات سنجار يحكين

هل تعرفون من انا ؟!
انا من مدينة سنجار هل سبق لكم وان سمعتم بها؟!انها مدينة التين والزيتون الذي بمذاقهما تشعر بشيء يدخل روحك ويلامس قلبك فتشعر بحلاوة الحياة وتسكر وما انت بسكران!انا من مدينة سنجار التي تنتج تبغاً يهمس لك لفني برفق باصابعك بورق السيجار الرقيق مثل رقة اوراقي ولأكون بين اناملك سيجارة ،اشعلني وخذ مني انفاساً يتراقص معها ارتفاع دخاني دوائر دوائر فتتصاعد روحك انت مع دوائر الدخان وبحضنك من تحب حيث الله والسماء ،ترافقك الموسيقى من الطنبور السنجاري المصنوع باليد من شجرة عتيقة عاجنة لسحر الكون وخابزته،انا التي كنت اقرأ الروايات باللغة العربية وكنت على اعتاب دخول الجامعة واحلم بدخول كلية الأداب قسم اللغة الكردية لأترجم فيما بعد اكبر عدد ممكن من الروايات العالمية من لغتها الى لغتي الكردية الفقيرة مما كتبه الأدباء العظماء في العالم،انا التي كنت اعشق في الخيال حبيباً واحدأ ليكن الرجل الأول والأخير في حياتي وهو الذي في كل لحظة يعيش في روحي ودمي وأسرد له كل شيء عبر الكون طوال يقظتي واسند راسي على كتفيه ان اردت ان انام فيغفو هو في عيني وانام انا على كتفيه!انا التي في ليلة ظالمة جاء سيف قاسي وظالم وقطع سلسلة احلامي واخذني منها ومن اهلي واحبابي ولم اقتل لسبب واحد فقط وهي ان يستمتع أنذال داعش بجسدى ، انا التي من سنجار المدينة التي تقدس الحب وتسمح للحبيب ان يخطف حبيبته بأدب جم ، نعم بأدب جم حيث لا يفر بها بل يذهب معها الى اعرق بيوت المدينة ويقول كلمته بأن هذه هي التي احب ان تكون شريكة عمري ورفيقة دربي فيبارك الرجل القدير الطيب صاحب البيت ويعلن الزواج الذي باركه الله والكون من قبل حيث حرية الأختيار والزواج المبني على الحب!
آه في ليلة ظالمة تبددت تلك الحياة الطيبة الجميلة وااااااااااااااااااااااي!!
لقد تعرفتم الان على بطلة القصة هذه انها “نرمين” الشابة المختطفة والتي تجلس الان في صالة البيت او السجن الذي لا تعرف اين يقع، تجلس على كرسي مخصص لها في الصالة ويقع في ركن بعيد عن مكان جلوس النساء الداعشيات المتقاربات في جلوسهن من بعضهن البعض على الأريكة فهن يحرمن التقرب من نرمين لأنها كافرة ،كانت نرمين ترتدي عباءة سوداء وشعرها المجعد الاسود ينسدل على كتفيها،تنظر اليهن فتعرف انهن قد تبدلن رغم العباءات والحجاب والنقاب الذي يغطيهن تماماً تعرف انهن تبدلن من هيئة اجسادهن وعيونهن الظاهرة من شق عرضي ولكن لغة الجسد ونظرات العيون كانت نفسها تماماً حيث يطفح الحقد والاشمئزاز تجاهها هي!خاطبتها احداهن قائلة بحزم
– اسمعي يا هاجر
– فاجابت بصوت عالي وواضح
– اسمي نرمين
– اسكتي لقد بلغنا بعدم ضربك لكون “ابو سيف “سيعود
– سأذهب لأرى الطفلة ان حليبي يتساقط
– اسكتي واسمعي
– عليك ان تشكري الله لأنك اصبحت جاريةً للأمير أبو سيف الذي تتمناه كل نساء الأرض بدلاً من ان تموتي وانت كافرة فتدخلين جهنم.
بدأت نرمين برفع صوتها اكثر وهي تقول
– لقد سمعت كل ما تريدون قوله الان كفى كفى
– حقاً انت وقحة وشرسة واكثر مما وصفوك لنا
– لولا وصية الأمير لكسرت عظامك بالجلد
كانت الثلاثة يتناوبن في الكلام الموجه اليها الواحدة بعد الأخرى
– واجبنا نحن المجاهدات القاء الدروس عليك علك تهتدين.
– لم يكن المقصود من غزو سنجار هو سبيك وسبي البنات الأيزيديات هذه الأمور تترتب بعد كل غزوة والخير هو في سبي البنات بدلاً من قتلهن وهن كافرات فيدخلن نار جهنم .
– جهنم !!جهنم !!كفاكم التحدث معي عن جهنم!
قالتها وهي تنتف شعرها وتصرخ وكفت عن الصراخ وهي تسمع طفلتها تبكي فهرعت لدخول الغرفة الصغيرة التي تسكنها
-الى الجحيم يا كافرة!
قالتها النساء معاً
في اليوم الثاني ظهراً طرق باب الغرفة كالعادة فوجدت حصتها من الطعام امام الباب في أواني سفرية، منذ ولادة ابنتها وهي تحاول ان تأكل اكثر لترضع الطفلة اكثر، فتحت الباب وتناولت الأواني من على الأرض وعادت لتدخل الغرفة التي تستنكف النساء من الدخول اليها وقضت على صحن الرز والفاصولياء والصمونة وشربت قنينة الماء وعادت لتضع الاواني في كيس من النايلون ونهضت وفتحت الباب لتضعه خارجاً فوقع بصرها على النساء وهن شبه عاريات بملابس النوم ،سدت الباب بسرعة وعادت لتاخذ ابنتها بين احضانها.
في نفس اليوم ليلاً فتح الداعشي “ابو سيف” الباب وقال فوراً آمراً
– السلام على من اتبع الهدى
تفهم الشابة نرمين المنتمية الى ديانة عشاق الشمس معنى مثل هذا السلام عند ديانة داعش حيث تلقت خلال ما يقارب الثلاث سنوات من تاريخ وصولها الى هنا محاضرات اجبارية عن التعاليم الداعشية،وكانت هذه هي المرة الأولى التي يأتي فيها ابو سيف الى البيت بعد ولادة الطفلة “ليلان”قبل ما يقارب الثلاثة اشهر من الآن،نظرت نرمين ككل مرة الى ابوسيف وهي تغلي حقداً وهو يقول امراً
– عدت من الجهاد فابعدي هذه “العجية” عنك وغطي وجهها فأنا اكره رؤيتها.
لم تتحرك نرمين وانما ظلت تنظر اليه بحقد لا متناه فصرخ:-
– لماذا لا تستوعبين الدروس التي تلقيتيها من المجاهدات لماذا لا تستوعبين ان الجارية لا يستأذنها زوجها لانه اشترى جسدها؟!لماذا لا تفهمين لقد اشتريتك بمالي عندما كنت معروضة للبيع لقد اخترت جسدك بعد تفحصي لجسد اكثر من عشرين فتاة وعليك ان تكوني ممتنة لأنني اخترتك انت ،فأنت ملكي!
قاطعته نرمين وهي تبصق بوجهه وصرخت بحقد واضح
– انت حقير!
انهال عليها ضرباً بكلتا يديه الخشنتين وركلها بحذائه الملوث الوسخ فيما كانت هي تتكور لتحمي الرضيعة بجسدها والتي بدأت تبكي بصوت عالي مما جعل ابو سيف يصرخ بعصبية بالغة:-
– لقد صبرت عليك كثيرا بسبب جمالك اقسم براية داعش سأنتقم منك واشوهك واجعلك تندمين يا كافرة!والى جهنم وبئس المصير!
اكثرت من البصق عليه عدة مرات وهي تضم الرضيعة اكثر واكثر فيما خرج وهو يهدد
– سأجعلك تدفعين الثمن غالياً هذه المرة! سأحرق قلبك وارمي طفلتك لحماً للكلاب !
وخرج ولم يعد في تلك الليلة فيما ظلت هي ساهرة تناجي الرضيعة:
-اقسى انواع العذاب يا صغيرتي ان الدم الذي يسري في جسدك هو دمي ممتزجاً بدم انذل خلق الله !سأعود بك يومأ الى بلدتي سنجار حيث امي وجدتي ،في المرات الكثيرة التي كنت احصل على درجات النجاح والتفوق وحال صولي الى البيت عائدةً من المدرسة كنت ارتمي فوراً وابكي في احضان امي او جدتي ومن غير التعبير عن سبب بكائي كانتا تقولان كوني يا نرمين متفوقة دائماً لتبقى روح بابا سعيدة في السماء،ابي الذي مات بحادث سير وانا في الثالثة من عمري،ولكن يا ابنتي اياك انت ان تسأليني انت عن ابيك كما كنت انا اسأل عن ابي!
سكتت ثم تابعت
– اصرخ يا ابنتي دوماً بوجه والدك قائلةً “انت حقير!” اعذريني يا ابنتي اذ انطق بهذه الكلمة غير اللائقة بمسامعك البريئة،يا ابنتي كلمة حقير تليق به وبهم جميعاً وبمن ساعدهم انها الكلمة التي يستحقها كل من كان نذلاً..حاقداً ومجرماً !
تستمر نرمين بأرضاع الصغيرة الجميلة ذات الرقبة الطويلة والشعر الاسود المجعد وهي تناجيها وتطبع القبل على جبينها وككل مرة تسأل الطفلة
– ماهي حكمة الله من ان تتوارثي الصفات الجمالية مني ومن امي وجدتي؟!
مضث عشرة أيام ولم يعد ابو سيف منذ تلك الليلة وبعد شهرين من الآن ستحل الذكرى الثالثة على اختطاف نرمين ومنذ ذلك الوقت وهذا ابو سيف الذي يسمونه اميرا يسجنها في هذ البيت وتحرسها النساء الداعشيات واللواتي يتواجدن في البيت ويتغيرن باستمرار.
تستلقي نرمين على فراشها المفروش على الأرض مع ابنتها التي سمتها “ليلان”بينها وبين نفسها اذ ان مثل هذه الأسماء محرمة عند عصابات داعش،تتأملها على الضوء الخافت اذ كانت كل اضوية البيت خافتة ليلاً للأحتياطات الأمنية،واذا بثلاثة من المسلحين يدخلون الغرفة واخذوا ابنتها منها بالقوة واعطوها لواحدة من النساء ثم جروها الى خارج البيت وادخلوها سيارة جيب عسكرية وهي تصرخ الماً وعذاباً وكأن حريقاً قد نشب فيها ،فقاموا الثلاثة بسد فمها بقطعة تكتيم وكبلوا رجليها ويديها بسلاسل معدنية وكذلك شدوا عينيها بقطعة قماش سوداء سميكة ،ظلت تتعذب وتتململ لفترة ليست بالقصيرة ثم انهكها التعب فنامت او غابت عن الوعي تماماً.
فتحت نرمين عيونها بعد فترة بذهول ولم يكن فمها مسدوداً ولم تكن مكبلة الأيدي والأرجل،وكانت السيارة سيارة تاكسي ولم يكن الأشخاص نفس الأشخاص الذين اخذوها واخذوا منها ابنتها وانما اشخاص يرتدون ملابس مدنية عادية،تنظر نرمين هنا وهناك كالمجنونة وعرفت انها الان في حدود اقليم كردستان العراق فانتابتها نوبة من البكاء حيث ارض الوطن بكى السائق وبكى الرجل الذي كان بجانبها وقال لها باللغة الكردية
-لاتخافي سنذهب الى جدتك
-جدتي ؟!
قالتها بذهول وتساءلت بلهفة
-وامي؟!
فاجهش الرجلان بالبكاء وصرخت هي وااااااااااااااااااااي ….وااااااااااااااااااااي
تناوب الرجلان على تهدأتها
-اصبري يا اختي… اصبري سيكون كل شيء كما تريدين … سيأخذ الله حقك من الظالمين ….. سينتقم الله ممن كان سبباً …سينتقم لله ممن ساعدهم وساندهم !….دقائق وسنصل ،
دخلت السيارة الى مخيم للآجيء سنجار خارج مدينة دهوك استقبلها اهالي المخيم بفرح مجنون فمنهم من كان يبكي ومنهم من كان يصرخ ومن ببن النساء من كانت تزغرد ودموعها تنهمر ومنهن من كانت تلطمن الخدود وتشققن صدور الفساتين! وارتمت في حضن ابن خالها “بلند” الناجي الذي كان خارج سنجار عند وقوع الهجوم وهرعت لدخول الخيمة وسقطت عند قدمي جدتها ،اخذ بيدها بلند وارتمى كلاهما على صدر الجدة يبكيان فتبكي النساء وتنادي برثاء
-ام نرمين ..ام نرمين انهضي من قبرك!… تعالي لقد عادت نرمين!… تعالي لقد قتلوك وانت تستبسلين في اخذها منهم !….تعالي لقد عادت نرمين! انهضي من قبرك فلقد عادت مدللتك الوحيدة!ا…أنهضي من قبرك لتحيا امك المريضة تعالي تعالي ام نرمين.. تعالي!… يا الله يا زمن يا فلك لماذا لماذا سلطت علينا كل هذا الظلم!!؟؟ …لماذا لماذا؟!
تجلس نرمين علي اليمين من راس جدتها ويجلس بلند على يسارها تتاملهما الجدة بعيون ذابلة متعبة وبالكاد تكاد تمد يدها اليمنى اليها و اليسرى الى بلند وقربت جاهدة اليدين الى بعضهما وبدأت تتحدث فسكت الجميع ينصتون اليها وهي تتحدث كلمة كلمة وكأنها تتكلم من دنيا وعالم آخر.
– اسمعيني يا نرمين ابن خالك بلند هو الناجي الوحيد من الذبح والقتل، نرمين اهتمي به ..يا نرمين.. تزوجيه …. اه ..عزيزتي نرمين اشتريتك من انذال داعش ببيع البيت الذي اشتريناه في دهوك لننتقل اليه عندما تقبلين في الجامعة !! اشتريتك يا نرمين !!أشتريتك يا نرمين هل سمعت احداً يشترى ابنته!!! اااه ااااا…..ه!!
سكتت فارتفعت اصوات بكاء وانين الحضور ثم تابعت فعاد الجميع مرةً أخرى الي الصمت
– بلند اهتم بنرمين، لا تتركا بعضكما ابداً ….تزوجا ، امانة الله احببا بعضكما وحبوا كل اليزيديين انهم مظلومين بل حبوا كل الدنيا حبوا كل العالم وتكاتفوا لأخذ حقكم من الظالمين،وليكن لكما كثير من الأطفال وعلموهم على حب الناس كل الناس.
توقفت الجدة عن الحديث للحظة وهي تنقل ببصرها الى وجوه جميع الحاضرين المتعلقة نضراتهم بها ومن ثم انتقلت عيونها الى نرمين وبلند وشهقت ولفظت انفاسها الأخيرة صرخت نرمين وصرخ بلند وهما يفركان راسهما بصدر الجدة
-لا لا تموتي جدتي لا تموتي…..لا لا
وارتفعت أصوات الجميع بالنحيب والبكاء
وفجاةً سمعت صراخات خارج الخيمة
– حريق …حريق !!
واختلطت الأصوات وعمت فوضى الخوف والرعب وغابت نرمين عن الوعي وعندما نهضت كانت على الفراش في خيمة جدتها التي كانت مملؤة بالناس العائدون من دفن الجدة.
على مفرق ذكريات مفجعة كثيرة وواقع قاسي لحياة في مخيمات بائسة ينتشر فيها الفقر والمرض ونشوب الحرائق بين فترة واخرى وجدت نرمين نفسها ومدت يدها الى بلند فاخذ بتقبيلها وتبادلا نظرات تعجز كلمات كل قواميس العالم عن وصفها ،سمعت بكاء الحاضرين يختلط مع بكاء طفلتها ،بحثت عن مصدر الصوت علها تجد طفلتها ثم كفت عن البحث ….ربما فيما بعد ستخبر بلند بأنها كان لها طفلة اسمها ليلان وربما لم ولن تخبره ابداً لأن ابو ليلان داعشي حقير! وربما بحثت عنها واشترتها يوماً ما وربما كثيرة اخرى.

><