سیما تیڤی

الإيزيديون بين صراعات النفوذ الإقليمي وخطر تكرار الإبادة الجماعية في سوريا

كاوة عيدو ختاري
تعيش الساحة السورية مرحلة بالغة التعقيد في ظل تصاعد الصراعات العسكرية وتداخل الأجندات الإقليمية والدولية، الأمر الذي يضع المكونات الدينية والقومية الهشة، وفي مقدمتها المكوّن الإيزيدي، أمام مخاطر وجودية حقيقية. فما يقارب 1200 عائلة إيزيدية باتت مهددة بشكل مباشر نتيجة المعارك الجارية، وعودة خطاب التطرف، ووجود جماعات مسلحة ذات خلفيات أيديولوجية متشددة ضمن تشكيلات تُنسب إلى “قوات الدولة السورية”، ما يعيد إلى الأذهان شبح الإبادة الجماعية التي تعرض لها الإيزيديون في 3-اب -2014.
اولا: السياق الإقليمي للصراع وانعكاسه على الإيزيديين
إن ما يجري في سوريا لا يمكن قراءته بمعزل عن الدور التركي المتصاعد، المدعوم من قوى قومية متطرفة، وعلى رأسها حزب الحركة القومية (MHP) وما يُعرف بالدولة العميقة. يهدف هذا الدور إلى إعادة تشكيل موازين القوى في شمال سوريا، عبر إضعاف الوجود الكوردي المتمثل بقوات سوريا الديمقراطية (قسد) بقيادة القائد مظلوم عبدي، والتي لعبت دوراً محورياً في حماية المكونات، ومنها الإيزيديون، من التنظيمات الإرهابية.
ثانياً: إضعاف قسد وتهديد منظومة الحماية
تمثل قوات سوريا الديمقراطية اليوم أحد أهم عوامل الاستقرار النسبي في مناطق شمال وشرق سوريا. وأي محاولة لإضعاف هذه القوة أو تفكيكها ستفتح فراغاً أمنياً خطيراً، غالباً ما تملؤه الجماعات المتطرفة، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على الإيزيديين، الذين لطالما كانوا الهدف الأول لهذه الجماعات بسبب معتقدهم الديني.
ثالثاً: قطع التواصل الكوردي–الكوردي وتداعياته
من السيناريوهات الخطيرة التي تطرح في المشهد الحالي، العمل على قطع التواصل الجغرافي والسياسي بين كورد سوريا وكوردستان العراق، بما يعيق تنسيق الجهود الكوردية المشتركة لحماية المكونات الضعيفة. وقد أثارت تحركات ومشاركات قوات القصد والقائد مظلوم عبدي على المستوى الإقليمي مخاوف الدولة العميقة التركية، لما تحمله من دلالات على اعتراف سياسي متزايد بالدور الكوردي في سوريا.
رابعاً: النزوح القسري كتهديد وجودي للإيزيديين
تشير المؤشرات الميدانية إلى أن توسع رقعة المعارك سيؤدي حتماً إلى موجات نزوح جديدة، تكون العائلات الإيزيدية في مقدمتها.
ولا يعد النزوح مجرد انتقال قسري، بل عملية تفكيك اجتماعي طويلة الأمد، تعرض النساء والأطفال لمخاطر جسيمة، وتُفقد الإيزيديين ارتباطهم بالأرض والهوية، وهو ما يخدم مشاريع التغيير الديمغرافي في المنطقة.
خامساً: وجود المتطرفين وخطر تكرار الإبادة الجماعية
الخطر الأخطر يتمثل في وجود فصائل متطرفة ذات فكر تكفيري ضمن بعض التشكيلات المسلحة المشاركة في المعارك. إن التجربة الإيزيدية مع هذه الجماعات تؤكد أن أي سيطرة ميدانية لها تعني: احتمال ارتكاب جرائم قتل جماعي وخطف النساء والأطفال وتدمير المزارات الدينية وفرض التهجير القسري وهي ممارسات تشكل، وفق القانون الدولي، أركان جريمة الإبادة الجماعية.
سادساً: المتغيرات الإقليمية والدولية وزيادة المخاطر
تتزامن الأحداث في سوريا مع تحولات متسارعة في إيران، وتغيرات سياسية في العراق، إضافة إلى محاولات تركية لإعادة فرض نفسها كقوة إقليمية فاعلة. هذه المتغيرات تزيد من هشاشة الوضع الإيزيدي، في ظل استخدام بعض القوى للمكونات الضعيفة كورقة ضغط ضمن صراعات النفوذ.
سابعاً: البعد الداخلي التركي وسياسة تصدير الأزمات
لا يمكن فصل التصعيد الخارجي عن الأزمة الداخلية في تركيا، حيث تتزايد القناعات الشعبية بضرورة التغيير السياسي. وفي هذا السياق، تلجأ الحكومة التركية إلى تصدير الأزمات وخلق تهديدات خارجية، ما يجعل مناطق الكورد ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات السياسية الداخلية.
الخلاصة :
إن الإيزيديين في سوريا يقفون اليوم أمام خطر حقيقي يتجاوز النزوح والمعاناة الإنسانية، ليصل إلى احتمال تكرار الإبادة الجماعية، في حال استمرت المعارك دون رادع دولي.

><