سیما تیڤی

داعش… فنادق خمس نجوم متنقّلة

 

لم تعد قضية تنظيم داعش محصورة في بعدها العسكري أو الأمني، بل تحوّلت إلى ملف سياسي دولي بالغ الخطورة، تُدار فصوله اليوم عبر مخيمات مغلقة تُشبه في واقعها “فنادق خمس نجوم متنقّلة” لعناصر التنظيم وعائلاتهم، تحت أنظار المجتمع الدولي، وبصمت مريب من القوى الكبرى التي تدّعي محاربة الإرهاب.

في الدول المجاورة لسوريا والعراق، ولا سيما داخل الأراضي السورية، تنتشر مخيمات تضم آلافاً من عناصر داعش وأسرهم، أشهرها مخيم الهول وغيره من المراكز التي باتت عملياً حواضن فكرية واجتماعية لإعادة إنتاج التطرف. هذه المخيمات لا تخضع لمعالجات جذرية، ولا لبرامج عدالة انتقالية أو محاسبة قانونية حقيقية، بل تُترك لتتحول إلى قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة.

في سوريا، تتحمّل الإدارة الذاتية والقوى المحلية عبئاً يفوق طاقتها، في ظل غياب دعم دولي فعلي يتناسب مع حجم الخطر. فهذه المخيمات ليست مجرد تجمعات نازحين، بل تضم عناصر متشددة ما زالت تحمل فكر داعش وتعيد تنظيم صفوفها أيديولوجياً، وسط ظروف أمنية وإنسانية شديدة التعقيد. ورغم التحذيرات المتكررة، لا يزال المجتمع الدولي يتعامل مع الملف بعقلية “إدارة الأزمة” بدل حلّها.

الأخطر من ذلك هو ما يُتداول عن نية الولايات المتحدة نقل بعض عناصر داعش من المخيمات في سوريا إلى العراق، في خطوة إن حصلت فإنها لا تعني حلاً، بل تصديراً للأزمة من جغرافيا إلى أخرى. هذا النهج لا يختلف كثيراً عن سياسات سابقة ثبت فشلها، حيث جرى تدوير الإرهاب بدلاً من اجتثاثه، وترك الشعوب المحلية تدفع الثمن.

إن هذا السلوك يمثل تهرباً واضحاً من المسؤولية القانونية والأخلاقية للمجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، التي قادت التحالف الدولي ضد داعش. فبدلاً من محاسبة عناصر التنظيم وفق القانون الدولي، وإعادة رعايا الدول إلى بلدانهم الأصلية لمحاكمتهم، يجري تحميل العبء لقوى محلية، وجعل الشعب الكردي في شمال وشرق سوريا ضحية مباشرة لهذه السياسات والمخططات.

لقد قدّم الكرد، إلى جانب مكونات المنطقة الأخرى، تضحيات جسيمة في الحرب ضد داعش، نيابة عن العالم أجمع. ومن غير المقبول اليوم أن يُكافَأ هذا الدور بتركهم وحدهم في مواجهة خطر مستمر، تتحكم به حسابات سياسية دولية ضيقة، وتُدار فيه المخيمات كمساحات رمادية خارج القانون.

إن استمرار التعامل مع مخيمات داعش كحل مؤقت، أو كمستودع بشري للإرهاب، لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج العنف وعدم الاستقرار في سوريا والعراق والمنطقة بأسرها. المطلوب اليوم موقف دولي شجاع، يتحمل مسؤوليته كاملة: تفكيك هذه المخيمات، محاسبة المتورطين، إعادة كل دولة لمواطنيها، ودعم حقيقي للقوى المحلية بدل استخدامها كحاجز صدّ مؤقت.

وإلى أن يحدث ذلك، ستبقى “فنادق داعش المتنقلة” شاهداً على فشل المجتمع الدولي، وعلى سياسة الهروب من المسؤولية، ودفع الشعوب المظلومة—وفي مقدمتها الشعب الكردي—ثمن صراعات لم يخترها، لكنها فُرضت عليه

 

سرحان عيسى

الناطق الرسمي باسم مجلس إيزيديي سوريا

 

><