سیما تیڤی

العمل الاجتماعي في بعشيقة وبحزاني. حين تتحول المبادرة إلى مسؤولية

لؤي الياس خدر
في أصعب المراحل التي مرّت بها بحزاني، وما رافقها من تحديات أمنية واجتماعية وإنسانية، برزت حقيقة لا يمكن القفز عليها: المجتمعات لا تُحمى بالشعارات، بل بالفعل المنظّم والمسؤول. ففي لحظات الفراغ والاضطراب، يصبح سدّ الفراغ الاجتماعي ضرورة وجودية، لا ترفًا فكريًا. ومن هذا الواقع تحديدًا، وُلدت فكرة تأسيس المجلس الاجتماعي في بحزاني.
لم يكن تأسيس المجلس حدثًا عابرًا أو ردّة فعل آنية، بل استجابة واعية لحاجة ملحّة فرضتها ظروف ما بعد عام 2003، حيث شهدت منطقة بعشيقة وبحزاني تحولات اجتماعية عميقة هددت النسيج المجتمعي، وفتحت الباب أمام الانقسامات والانتماءات الفرعية. وكان لا بد من إطار جامع، حديث في رؤيته، واضح في تنظيمه، يعمل على إدارة الشأن الاجتماعي بعيدًا عن الضيق والتشظي، وبما يحفظ وحدة المجتمع وتماسكه.
يُعدّ المجلس الاجتماعي في بحزاني التجربة الاجتماعية الأولى من نوعها على مستوى العراق، ومنها انطلقت فكرة تأسيس المجالس الاجتماعية في بقية المناطق. وقد تميز منذ بداياته بامتلاكه نظامًا داخليًا واضحًا يحدد آليات العمل وشروط العضوية، ويؤسس لعمل جماعي قائم على الكفاءة لا المجاملة، وعلى المسؤولية لا الارتجال، ويضم كادرًا مثقفًا وفاعلًا يؤمن بالعمل المؤسسي.
ولعل ما منح هذه التجربة مصداقيتها واستمراريتها هو ما قدمته على أرض الواقع. فقد اختير المجلس الاجتماعي في بحزاني لأكثر من عام كأحد أفضل المجالس الاجتماعية، نتيجة دوره الفاعل في:
الوقوف بوجه محاولات التغيير الديمغرافي في المنطقة،
مواجهة التحديات الاجتماعية والأمنية بالحكمة والحوار،
تقديم الخدمات الإنسانية من دعم للعوائل المتعففة، وزيارة المرضى، وتوفير المساندة النفسية والمادية،
إدارة ممتلكات الوقف، والحفاظ عليها، وتطويرها بما يخدم الصالح العام،
والعمل بروح نكران الذات دون أي مقابل مادي.
وإلى جانب ذلك، التزم المجلس بمبدأ الشفافية من خلال نشر الموازنات المالية سنويًا، واعتماد الأساليب الحديثة في الإدارة المالية، فضلًا عن دوره في استقبال الوفود الرسمية، وتبادل الزيارات، والتنسيق بين المجالس الاجتماعية والمؤسسات والشخصيات الحكومية في المنطقة.
إن ما يميز هذه التجربة، وغيرها من المبادرات الاجتماعية التي شهدتها بعشيقة وبحزاني، أنها نشأت بشكل طوعي، وبنوايا صادقة، وبدافع الانتماء الحقيقي وحب المنطقة وخدمتها. وهي تجارب لا تدّعي الكمال، لكنها تستحق التقييم المنصف، والنقد البنّاء الذي يهدف إلى التصحيح لا إلى الهدم.
فالتسقيط والتشهير لا يخدمان مجتمعًا، ولا يبنيان مستقبلًا. أما النقد المسؤول، فهو جزء من التطوير، وجسر للارتقاء بالأداء. ومن هذا المنطلق، فإن دعم هذه المبادرات واجب أخلاقي ومجتمعي، كما أن أبواب العمل الاجتماعي يجب أن تبقى مفتوحة أمام الجميع، وفق معايير واضحة قوامها السمعة الطيبة، والنزاهة، والكفاءة.
في الختام، تثبت تجربة المجلس الاجتماعي في بحزاني أن المجتمعات الحيّة قادرة على إنتاج حلولها من داخلها، وأن العمل الاجتماعي حين يُدار بوعي ومسؤولية، يصبح صمّام أمان، وحارسًا للهوية، وطريقًا نحو مستقبل أكثر تماسكًا واستقرارًا.

 

><