سیما تیڤی

التسامح في مسار العدالة: من جراح الماضي إلى أمل المستقبل

حسو هورمي
بمناسبة اليوم الدولي للتسامح، المصادف 16 نوفمبر، تبرز فكرة التسامح ليس كاحتفال عابر وإنما كضرورة إنسانية تعيد بناء المجتمعات المنهكة بعد الكوارث. حين تضرب المآسي بشدة، يجتاح الضرر النفوس والعلاقات، وليس فقط البنية التحتية. الإبادة الجماعية، بصفتها أشد تلك الكوارث قسوة، تختبر قدرة المجتمعات على التماسك والبقاء. في مثل هذا الإطار، يصبح اليوم الدولي للتسامح تذكرة بأن السلام لا يتحقق فقط من خلال العدالة القضائية، بل يحتاج إلى شجاعة أخلاقية تؤسس لصلح عميق يدعم النسيج الاجتماعي الجديد. فالتسامح هنا ليس تناسياً أو مسامحة مجانية، بل هو ركن أساسي في هندسة “العدالة الانتقالية” التي تسعى لمصالحة المجتمعات مع نفسها وماضيها.
التسامح الحقيقي: ليس بديلاً عن العدالة بل ثمرتها
كثيراً ما يُساء فهم التسامح ليبدو وكأنه علامة للتنازل أو الضعف. لكن الحقيقة الأكثر تعقيداً تؤكد أن التسامح الحقيقي لا يزدهر إلا في تربة العدالة. إنه ابن شرعي للحقيقة والاعتراف. فالمجتمعات التي أنهكها العنف، كما تؤكد التجارب العالمية، تحتاج أولاً إلى:
• كشف الحقيقة كاملة ولو كانت مُرة.
• اعتراف رسمي لا لبس فيه بالجرائم والانتهاكات.
• محاسبة المسؤولين عبر آليات قضائية نزيهة.
• جبر ضرر معنوي ومادي للضحايا والناجين.
• إصلاح مؤسسي جذري يقطع الطريق على تكرار المأساة.
عندما يتحقق ذلك، يصبح التسامح اختياراً واعياً للضحايا، لا إملاءً من الخارج ولا هروباً نحو النسيان.
الدروس التاريخية: أمثلة تلهم مسيرة التسامح
تحتضن الصفحات التاريخية نماذج ملهمة سلكت درب التسامح بصعوبة وحققت اختلافات جوهرية:
1. رواندا – إحياء العدالة المجتمعية:
بعد كارثة الإبادة الجماعية في عام 1994، التي قضت على ما يقارب المليون شخص، تمكنت رواندا من تقديم نموذج مبتكر لإعادة العدالة باستخدام “محاكم غاشاشا المجتمعية”. هذه المحاكم لم تكن تسعى للإعدامات، بل للاعتراف العلني، وطلب الصفح، وجبر الضرر. لقد حوّلت العدالة من عملية نخبوية إلى حوار مجتمعي شامل، مهدت الطريق لتسامح لم يكن ممكناً لولا مواجهة الجريمة وجهاً لوجه.
2. جنوب أفريقيا – الحقيقة كجسر للمستقبل:
مع سقوط نظام الفصل العنصري، واجهت جنوب أفريقيا تحدياً مصيرياً: كيف تنتقل من نظام قمعي إلى ديمقراطية دون حرب أهلية؟ كانت “لجنة الحقيقة والمصالحة” بقيادة الأسقف ديزموند توتو نموذجاً فريداً. اللجنة منحت جواً من العفو للجناة مقابل الاعتراف الكامل بالحقيقة، وسمحت للضحايا بسرد معاناتهم. لم يكن الهدف التغاضي، بل كان “كشف الحقيقة” هو العقاب والعلاج في آن واحد. لقد أدركوا أن العدالة الانتقامية قد تدمر البلد، فاختاروا عدالة تستعيد الكرامة وتصنع أساساً للتسامح.
3. البوسنة والهرسك – العثرات في طريق المصالحة:
ليست كل المسارات تنتهي بنجاح. ففي البوسنة، بعد حرب التسعينيات ومجازر مثل “سربرنيتسا”، لا تزال مسيرة التسامح متعثرة. لماذا؟ لأن خطاب الإنكار ما زال حياً، والذاكرة الجماعية منقسمة، والرواية التاريخية موضع صراع. هذه الحالة تذكرنا بأن التسامح لا يمكن أن يفرض بقرار، وأنه يذبل في ظل غياب إرادة سياسية حقيقية للمصالحة ورواية موحدة للماضي.
التسامح كاستراتيجية: إعادة بناء الإنسان والمجتمع
التسامح ليس مجرد قيمة معنوية بل استراتيجية مركزية لإعادة بناء الإنسان والمجتمع. فهو:
• يعيد صياغة العلاقات الإنسانية على أسس أكثر إنصافاً.
• يعزز المساواة ويستعيد الشعور بالكرامة المشتركة.
• يواجه الهياكل التي تؤجج الكراهية ويعمل على تفكيك إرث التحريض على الآخر.
• ينشئ جسوراً جديدة من الثقة والتعاون كأساس لبناء رأس المال الاجتماعي اللازم لأي تقدم مستدام.
التربية على التسامح: لقاح ضد تكرار التاريخ
أقسى الدروس من الإبادة الجماعية هي أنها يمكن أن تتكرر. لذا، فإن استثمار الأجيال القادمة هو خط الدفاع الأول. يجب أن تتحول التربية على التسامح إلى سياسة وطنية من خلال:
• إدماج تاريخ الصراعات بموضوعية وشجاعة في المناهج الدراسية.
• تعليم مهارات الحوار واحترام التنوع والاختلاف.
• توثيق شهادات وحكايات الناجين لتبقى الذاكرة حية.
• توجيه الإعلام والفنون لتعزيز قيم التعايش والمواطنة المشتركة.
خاتمة: من ذكرى الألم إلى مستقبل الوئام
يُتيح اليوم الدولي للتسامح فرصةً ثمينة لإعادة التفكير في علاقة المجتمعات بتاريخها المؤلم. فهو ليس مناسبةً للاحتفاء بنسيان الماضي، بل للإشادة بقدرة الإنسان الاستثنائية على تحويل الألم إلى أمل، والمعاناة إلى قوةٍ جماعيةٍ تدفع نحو بناء مستقبل مشترك. ففي الدول التي عانت من ويلات الإبادة الجماعية، لا يكون التسامح خطوة متقدمة إلا حين يُبنى على أساس صلب من الحقيقة والعدالة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي.
وهكذا، يصبح التسامح الحقيقي – حين يقترن بالعدالة – ليس نهاية المطاف، بل بداية الطريق نحو مستقبل لا تُسحق فيه كرامة إنسان. إنه ليس عبوراً فوق الألم، بل هو تحويل للذاكرة إلى درسٍ وعبرة، والعدالة إلى ضمانٍ لعدم التكرار، والألم الجماعي إلى منارةٍ ترشد الأجيال القادمة نحو غدٍ أكثر أمناً وإنسانية ووئام.
ملاحظة: نشر هذه المقال في جريدة التآخي في بغداد

><