منذ أكثر من عقد، لا يزال ملف الإبادة الجماعية التي تعرّض لها الإيزيديون في العراق مفتوحًا على جراحه، مغلقًا أمام العدالة. جريمة مكتملة الأركان ارتكبها تنظيم داعش عام 2014، موثّقة دوليًا، ومعترف بها أمميًا، لكنها في الواقع العملي لم تجد طريقها إلى الإنصاف الحقيقي، ولا إلى محاسبة الجناة، ولا إلى تعويض الضحايا، ولا حتى إلى ضمان عدم تكرار المأساة.
لقد صمتت الحكومة العراقية طويلًا، واكتفت بخطابات الإدانة الموسمية، فيما ظلّ الإيزيديون بين مخيمات النزوح وخرائب القرى المدمّرة، دون خطة جدية لإعادتهم، أو إعادة إعمار مناطقهم، أو استعادة كرامتهم المسلوبة. أما المجتمع الدولي، الذي سارع إلى توصيف ما جرى على أنه “إبادة جماعية”، فقد اكتفى بالبيانات، وترك الضحايا يواجهون مصيرهم وحدهم.
هذا الصمت ذاته، الذي تحوّل إلى شكلٍ من أشكال التواطؤ غير المعلن، يتكرّر اليوم في مشهدٍ لا يقلّ خطورة في مدينة حلب السورية، حيث تتصاعد الانتهاكات بحق الكورد، في ظل تغييبٍ إعلامي مريب، وصمتٍ رسمي دولي يثير الريبة. عمليات تغيير ديمغرافي، تهجير قسري، استهداف للهوية الثقافية واللغوية، وانتهاكات ممنهجة قد ترقى، إذا ما استمرّت، إلى جريمة تطهير عرقي مكتملة الأركان.
الأخطر من ذلك أن هذه الانتهاكات لا تستثني الإيزيديين الكورد في سوريا، الذين يجدون أنفسهم مرة أخرى في دائرة الاستهداف، كأن قدرهم أن يكونوا ضحايا دائمين لجغرافيا بلا حماية، وضمير دولي بلا ذاكرة. فبعد أن نجا بعضهم من سيوف داعش في العراق، يواجهون اليوم خطر الإقصاء والاقتلاع في سوريا، دون أي ضمانات قانونية أو إنسانية.
إن صمت الحكومات العراقية و الدولية عمّا يجري في حلب، رغم الارتباط القومي والإنساني، يطرح تساؤلات أخلاقية وسياسية كبرى. كما أن صمت المجتمع الدولي، الذي يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان، يكشف ازدواجية المعايير، حيث تُقاس المآسي بميزان المصالح، لا بميزان العدالة.
التاريخ علّمنا أن الجرائم الكبرى لا تبدأ بالمجازر، بل بالصمت عنها. وأن التطهير العرقي لا يحدث فجأة، بل يتشكّل تدريجيًا تحت غطاء التجاهل، والتسويف، والتغاضي المتعمّد. وما لم يُكسر هذا الصمت اليوم، فإن العالم قد يجد نفسه غدًا أمام مأساة جديدة، يضيفها إلى أرشيف الإدانة المتأخرة.
إن إنصاف الإيزيديين في العراق، وحماية الكورد في حلب، ليست قضايا منفصلة، بل اختبار حقيقي لصدقية العدالة الدولية، ولمدى التزام الحكومات بحماية شعوبها، لا التخلي عنها. فالصمت هنا ليس حيادًا، بل شراكة في الجريمة.
