يشهد إقليم كوردستان تحولاً مهماً في قطاع الطاقة الكهربائية مع إطلاق مشروع (روناكي) الذي يهدف إلى توفير تزويد مستقر على مدار 24 ساعة يومياً، وهو تطور نوعي ينقل النقاش من مسألة “استمرارية الخدمة” إلى مسألة “استدامة الكلفة وعدالتها”. وعليه، فإن المقارنة مع المملكة المتحدة ينبغي أن تنطلق من هذا الواقع الجديد الذي يفترض اكتمال التزويد وانتظامه.
في المملكة المتحدة، يستند نظام الكهرباء إلى مزيج طاقوي متنوع يشمل الرياح، والغاز، والطاقة النووية، والطاقة الشمسية، ما يمنح الشبكة مرونة تشغيلية ويقلل من المخاطر المرتبطة بالاعتماد الأحادي على مصدر واحد. كما أن نسبة إنفاق الأسرة على الكهرباء وحدها غالباً ما تتراوح بين 3% إلى 5% من متوسط دخلها الشهري، وهو ما يشكل معياراً مرجعياً يمكن الاستئناس به عند دراسة العدالة التسعيرية.
أما في إقليم كوردستان، فإن التحول إلى تزويد مستمر عبر مشروع (روناكي) يقتضي إعادة تقييم فلسفة التعرفة بحيث ترتبط بثلاثة محددات: متوسط دخل الأسرة، كلفة الإنتاج، والاستدامة المالية للقطاع. وتشير التقديرات إلى أن متوسط دخل الأسرة في الإقليم يتراوح تقريباً بين 800 ألف و1.5 مليون دينار عراقي شهرياً. وبناءً على ذلك، فإن جعل كلفة الكهرباء المنزلية ضمن نطاق 5%–7% من متوسط الدخل يمكن أن يشكل إطاراً متوازناً بين قدرة المواطن على الدفع وضمان استمرارية الخدمة. ووفق افتراض دخل وسطي بحدود 1.2 مليون دينار شهرياً، فإن متوسط جباية يتراوح بين 60 ألف و85 ألف دينار قد يكون أقرب إلى معيار الاستدامة الاجتماعية، شريطة وضوح هيكل التعرفة واعتماد شرائح تصاعدية عادلة.
وفيما يتعلق بمسألة هشاشة الكلفة، فإن المقصود بها هو قابلية النظام للتأثر بتقلبات أسعار الوقود أو كلفة الإنتاج في حال كان الاعتماد كبيراً على مصدر واحد. حتى مع توفر احتياطيات غاز محلية، يبقى التنويع الطاقوي عاملاً استراتيجياً لتقليل المخاطر المستقبلية، سواء كانت اقتصادية أو تشغيلية. إدخال الطاقة الشمسية على نطاق واسع، ورفع كفاءة المحطات الغازية، ودراسة إمكانات الرياح في بعض المناطق، كلها خطوات يمكن أن تخفض الكلفة المتوسطة على المدى الطويل وتعزز أمن الطاقة.
إن المرحلة الحالية، في ظل مشروع (روناكي)، تمثل فرصة لإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الطاقة عبر اعتماد الشفافية في احتساب الكلفة، وتقليل الفاقد الفني، وربط التسعير بمعايير اقتصادية واضحة. فالمعادلة المنشودة ليست تخفيض التعرفة بمعزل عن الواقع المالي، ولا تحميل المواطن أعباء تفوق قدرته، بل الوصول إلى نقطة توازن تحقق الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية في آن واحد.
بهذا المعنى، فإن المقارنة مع التجربة البريطانية لا تهدف إلى إسقاط نموذج مختلف السياق، بل إلى الاستفادة من مبدأين أساسيين: تنويع مصادر الطاقة، وربط كلفة الكهرباء بنسبة معقولة من دخل الأسرة. وهما ركيزتان يمكن أن تشكلا أساساً لإصلاح طويل الأمد في قطاع الكهرباء في إقليم كوردستان.
