بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
لم يكن ما تعرض له الإيزيديون في العراق مجرد حادثة عابرة في سياق صراعات مضطربة، بل كان جريمة مكتملة الأركان، ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، وانتهاكًا صارخًا لكل ما أنتجته الإنسانية من قيم وأعراف وقوانين عبر قرون من النضال الحضاري.
لقد استهدفت قوى الظلام هذه الجماعة المسالمة، التي عاشت لقرون طويلة في أرضها، محافظة على تراثها الروحي والثقافي، دون أن تكون طرفًا في صراعات سياسية أو مذهبية. ومع ذلك، وجدت نفسها فجأة في مواجهة آلة همجية لا تعرف سوى القتل والسبي والتدمير، حيث سُفكت الدماء البريئة، وانتهكت الأعراض، وهُجّر الآلاف من ديارهم في مشهد يعيد إلى الأذهان أكثر الفصول ظلامًا في تاريخ البشرية.
إن ما جرى للإيزيديين لا يمكن عزله عن سياق أوسع من الفكر المتطرف الذي يسعى إلى إلغاء الآخر، وتكريس ثقافة الإقصاء والكراهية. هذا الفكر، الذي تغذيه بيئات الجهل والتهميش، لا يهدد جماعة بعينها فحسب، بل يهدد جوهر التعايش الإنساني برمته، ويقوّض أسس الدولة المدنية التي تقوم على احترام التنوع والاختلاف.
لقد أثبتت هذه الجريمة أن الصمت الدولي، والتراخي في مواجهة الجماعات المتطرفة، يفتح الباب أمام مزيد من الانتهاكات. فالمجتمع الدولي، رغم إداناته اللفظية، لم يرتقِ إلى مستوى المسؤولية الأخلاقية والقانونية التي تفرضها مثل هذه الكوارث. وكان الأجدر به أن يتحرك بشكل أكثر حزمًا لمنع وقوع هذه الجرائم، ومحاسبة مرتكبيها وفق القانون الدولي.
إن الدفاع عن الإيزيديين اليوم لا ينبغي أن يكون تعاطفًا عابرًا، بل موقفًا مبدئيًا ثابتًا، ينطلق من الإيمان بوحدة المصير الإنساني. فكل اعتداء على جماعة بسبب دينها أو هويتها هو اعتداء على الإنسانية جمعاء. ومن هنا، فإن حماية الأقليات، وصيانة حقوقها، ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة أخلاقية لضمان استقرار المجتمعات وسلامها.
كما أن إعادة إعمار مناطق الإيزيديين، وتعويض المتضررين، وتأهيل الناجين نفسيًا واجتماعيًا، تمثل خطوات أساسية في طريق العدالة الانتقالية. ولا يمكن الحديث عن مستقبل مستقر دون معالجة جراح الماضي، والاعتراف بحجم المأساة التي وقعت.
وفي الختام، فإن مأساة الإيزيديين تضعنا جميعًا أمام اختبار حقيقي: إما أن نقف إلى جانب القيم الإنسانية، ونرفض الظلم بكل أشكاله، أو أن نصمت، فنكون شركاء في الجريمة. والتاريخ، كما علمتنا التجارب، لا يرحم الصامتين.
إنها دعوة مفتوحة لكل الضمائر الحية، ولكل القوى المؤمنة بالعدل والسلام، أن تتكاتف من أجل ألا تتكرر مثل هذه الجرائم، وأن يبقى الإنسان هو القيمة العليا التي تُقاس بها كل السياسات والمواقف.
