سما، دهوك
طاووسي ملك هو الملاك جبرائيل
حسب النصوص المقدسة للديانة الإيزيدية
بقلم: خيري إبراهيم كورو
هناك الكثير من المواضيع في الديانة الأيزيدية مازالت مثار جدل بين الكتاب والباحثين والمهتمين بالشأن الأيزيدي وحتى بين رجال الدين الأيزيديين انفسهم، وأحد هذه المواضيع المهمة هو مَن مِن الملائكة هو طاووسي ملك؟.
خلال فترة طويلة سادت وجهة نظر بين بعض الكتاب والباحثين بأن عزازيل هو نفسه طاووسي ملك. ولكن ثبت أن هذا الرأي كان مجرد اجتهادات شخصية بنيت على اسانيد ودلائل ملفقة، لانه عند التدقيق، لا يوجد سند صريح في النصوص الدينية المقدسة للإيزيديين، إذ لا يرد فيها ذكر لهذا الأمر لا تصريحاً ولا حتى مجازاً.
الشيء الوحيد الذي يستند إليه هذا الطرح هي قصة سجود الملائكة لآدم وامتناع أحدهم عن السجود، والذي يقال انه عزازيل. غير أن هذه القصة نفسها لا وجود لها في النصوص المقدسة الايزيدية، بل يبدو أنها انتقلت او بالاحرى زجّت في ميثولوجيا الديانة الايزيدية من ميثولوجيا الديانات الآخرى، مع إدخال بعض التعديلات واختلاق بعض المبررات من أجل إسناد هذا الرأي.
وفي المقابل، أخذ يتبلور لدى عدد متزايد من الكتاب والباحثين والمهتمين بالشأن الإيزيدي وأنا منهم اعتقاد آخر يرى أن جبرائيل هو طاووسي ملك. ولم يأت هذا الرأي من فراغ، بل يستند إلى قرائن ونصوص دينية يمكن مقارنتها فيما بينها. ومن خلال مقارنة عدد من النصوص المقدسة الإيزيدية يمكن ملاحظة تشابهات لافتة توحي بأن طاووسي ملك هو نفسه جبرائيل. وفيما يلي ثلاثة أمثلة توضح هذا الامر:
- المثال الأول: يذكر في (قهولێ موسا (١)) أن جبرائيل هو أمين الله:
وه دبێژت جبرايلێ ئهمينه
يا موسا بن عمرينه
رزقێ كولفهتێ ته وێ ل خودێ ل ته نينه
وفي المقابل يرد في (دوعا تۆكێ (٢)) أن طاووسي ملك هو أيضا أمين الله:
تۆك ژ مزكينه
تاووسي مهلهك ناف شێرينه
ئهمينێ ديوانا (رب العالمين)ه
إذا كان جبرائيل يوصف بأنه أمين الله، وطاووسي ملك يوصف بالصفة نفسها، فإن هذا التشابه في الوصف يفتح باب الإستنتاج بأن المقصود هو ملاكاً واحداً.
- المثال الثاني: يذكر في (دوعا زيارهت بوونێ (٣)):
زيارهتی ئێقينه، خودێ ناف شرينه
ل دلی نامينت نه كهربه، نه قههره ونهكينه
يا جبراييل توو هيڤيا مه بكی ل ديوانا (رب العالمين)ه
ويذكر في (دوعا خهرقه (٤)) ما يلي:
ئهركانهك ژێ ناسينه
هنجيێ رييا خودێ ههق ببينه
ل دلی نامينێ نه قههره، نهكينه
يا تاووسي مهلهك توو هيڤيا مه بكی ل ديوانا (رب العالمينه)ه
وعند مقارنة النصين، وبخاصة الشطر الأخير منهما، نلاحظ أن الصياغة متطابقة تقريبا، مع اختلاف الاسم فقط: مرة يذكر جبرائيل، ومرة يذكر طاووسي ملك. وهذا التشابه القريب في البنية والمعنى يوحي بأن المقصود هو شخصية ملائكية واحدة تحمل اسمين مختلفين.
- المثال الثالث: يذكر في (قهولێ ابراهيم خليل ونبي اسماعيل/ شاخێ دووێ (٥)) إنه عندما حاول نمرود إحراق إبراهيم الخليل، أرسل الله جبرائيل لنجدته وإنقاذه من النار:
جبرايلو قاسدێ مهلكێ معبوده
ئي بتحياته، ی ب سجوده
گۆ (ئيبرهد يا نار نمروده)
جبرايلو قاسدێ مهلهكێ عهرشه
دۆرا ابراهيم كره ميرگ وچيمنێت خۆشه
سوسهن وههلهال وبيبونێت گهشه
بينما يذكر في (قولێ برهيم پيغهمبهر – شاخێ سيێ (٦))، وفي سياق الحدث نفسه، أن الملاك الذي جاء لإنقاذ إبراهيم الخليل هو طاووسي ملك، كما جاء في النص:
تاووسي مهلهك نزلي ژعهسمانا
گۆ: يا ئاگر ببه زستانه
لهرزی برهيم و بهنژی
تاووسي مهلهك كهنی وگرنژی
برهيم گۆ: يا مهلهكێ تاووسه
ل بهر سهرما من نينا ههوهسه
تاووسي مهلهك ئهو جهه، ئهو مكانه
كره باغ وبيستانه
وعند مقارنة النصين نلاحظ أن الحدث واحد، إنقاذ إبراهيم الخليل من نار نمرود. غير أن النص الأول ينسب هذا الدور إلى جبرائيل، بينما ينسبه النص الثاني إلى طاووسي ملك. وهذا التشابه في الرواية يثبت إن الاسمين يشيران إلى الملاك نفسه.
إنطلاقاً من هذه الأمثلة الثلاثة، يمكن القول إن المقارنة بين النصوص المقدسة الإيزيدية تشير إلى احتمال قوي بأن طاووسي ملك هو جبرائيل، وهو إستنتاج يستند إلى التشابه في الصفات والأدوار التي تسند إلى كل منهما في تلك النصوص. ..
والله أعلم.
ملاحظة: النصوص المقدسة مأخوذة من كتاب (پهرێن ژ ئهدبێ دينێ ئێزديان) للدكتور خليل جندي رشو، وكما يلي:
1- قهولێ موسا، ص 643
2- دوعا تۆكێ، ص 1034
3- دوعا زيارهت بوونێ، ص 1029
4- دوعا خهرقه، ص 1032
5- قهولێ ابراهيم خليل ونبي اسماعيل – شاخێ دووێ، ص 307
6- قهولێ برهيم پيغهمبهر – شاخێ سيێ، ص 319
