سیما تیڤی

الإيزيديون بين البقاء السياسي واستحقاق الشراكة الوطنية.

بقلم: احمد نوزت

لم تعد القضية الإيزيدية اليوم مجرد قضية مكون تعرض للإبادة الجماعية والنزوح والتهميش، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الدولة العراقية على تحقيق العدالة والشراكة الوطنية لجميع أبنائها. فالإيزيديون الذين دفعوا ثمناً باهظاً من الدم والمعاناة ما زالوا يعيشون وسط تحديات سياسية وأمنية وخدمية تهدد وجودهم ومستقبل مناطقهم، في وقتٍ تتزايد فيه المخاوف من استمرار التهميش والإقصاء في مؤسسات الدولة.

وفي ظل هذه الظروف، فإن السياسة التي يجب أن يتبعها الإيزيديون لا يمكن أن تبنى على الانفعال أو ردود الأفعال المؤقتة، بل على رؤية واقعية طويلة الأمد تحفظ الوجود، وتعزز الحقوق، وتمنح هذا المكون القدرة على التأثير الحقيقي في القرار السياسي.

إن أولى الخطوات تتمثل في توحيد الخطاب الإيزيدي، لأن الإنقسامات السياسية والحزبية أضعفت الموقف العام للمكون، وأفقدته الكثير من فرص التأثير. فحين يتفرق الصوت الإيزيدي بين الولاءات والمحاور، تصبح قضاياه عرضة للتهميش والمساومة، بينما المرحلة الحالية تتطلب موقفاً موحداً يضع مصلحة المجتمع فوق أي اعتبار آخر.

كما أن الإيزيديين بحاجة إلى الانتقال من سياسة المطالبة الرمزية إلى سياسة الاستحقاق الوطني. فالمناصب لا تُطلب بوصفها امتيازات، بل باعتبارها حقاً طبيعياً لمكون عراقي أصيل قدم تضحيات كبيرة. ومن غير المقبول أن يبقى الإيزيديون خارج مواقع القرار الإداري والسياسي والأمني، بينما ما زالت مناطقهم تعاني من ضعف الخدمات وغياب الاستقرار وتأخر الإعمار.

إن سنجار والمناطق الإيزيدية اليوم لا تحتاج إلى خطابات موسمية، بل إلى مشروع حقيقي لإعادة الحياة. مشروع يبدأ بإعادة النازحين، وتعويض المتضررين، وتوفير فرص العمل، وإعادة بناء المؤسسات التعليمية والخدمية، وإنهاء حالة الفوضى والصراع التي أنهكت المنطقة لسنوات طويلة.

وفي الجانب السياسي، على القيادات الإيزيدية أن تدرك أن قوة أي مكون لا تقاس بعدد التصريحات، بل بقدرته على بناء علاقات متوازنة مع جميع الأطراف دون التفريط بالحقوق والثوابت. فالحكمة السياسية اليوم تقتضي الابتعاد عن سياسة التبعية، والعمل على ترسيخ حضور مستقل قائم على الحوار والمصلحة العامة.

أما الشباب الإيزيدي، فهم الركيزة الأهم في أي مرحلة قادمة. فبعد سنوات الألم والهجرة والنزوح، أصبح من الضروري الاستثمار في التعليم والوعي والثقافة، لأن المجتمعات لا تنهض بالمظلومية وحدها، بل بالعلم والكفاءة والقدرة على صناعة المستقبل.

كما أن استمرار التواصل مع المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية يبقى أمراً ضرورياً، ليس من باب الاستعطاف، بل لضمان حماية حقوق الضحايا والناجين، ومتابعة ملفات الإبادة والتعويضات، ومنع تكرار المأساة التي تعرض لها الإيزيديون.

وفي النهاية، فإن الإيزيديين اليوم لا يطلبون أكثر من حقهم الطبيعي في الحياة الكريمة والعدالة والشراكة الحقيقية  داخل وطنهم. فبعد كل ما تعرضوا له من قتل ونزوح وإبادة، لم يعد الصمت مقبولاً، ولم تعد الوعود وحدها قادرة على ترميم الجراح. إن الشعوب التي دفعت هذا القدر من التضحيات تستحق أن تُنصف، وأن يكون لها مكان يليق بتاريخها وصمودها وكرامتها.

فإما أن تُبنى دولة تتسع للجميع بعدالة وإنصاف، وإما أن يبقى الشعور بالخذلان جرحاً مفتوحاً في ذاكرة مكونٍ لم يطلب يوماً سوى أن يعيش آمناً مرفوع الرأس على أرضه.

><