سیما تیڤی

قراءة في البنية الرمزية لمونودراما “صرخة الطاووس”

فواز عبدي
مونودراما ” صرخة الطاووس” للكاتب أحمد إسماعيل إسماعيل نص شديد الكثافة، تتقاطع فيه الذاكرة مع الهذيان، الطقس مع الجرح، والرمز مع التجربة الإنسانية العارية.
وفي قلب هذا البناء الدرامي يقف رمزان مركزيان يشكلان العمود الفقري للنص، وهما الطاووس والصرخة.
فالطاووس وقبل أن يتحول إلى رمز ديني كان في المخيال الإنساني القديم طائراً يثير الدهشة بجماله الأخاذ، طائراً مسالماً هادئاً، يعرض ريشه كقصيدة.
الطاووس لا يصطاد الفرائس، لا ينهش الطيور الأصغر حجماً، لا يهاجم.. هو طائر يعيش على الحبوب والثمار، يفضل الأرض على السماء، يمشي بخطوات هادئة كعارضة أزياء. ريشه لغة، ألوان، ضوء، دوائر تشبه العيون وكأنه يحمل على ظهره مرايا صغيرة تعكس جمال العالم.
ارتبط الطاووس في ثقافات عديدة بالخلود، التجدد، النور، الجمال، والكبرياء النبيل. طائر يثير الإعجاب لا الخوف.
كيف أصبح الطاووس رمزاً للديانة الإيزيدية؟
هناك ثلاث طبقات لهذا التحول:
1- الجمال كطريق إلى القداسة: الإيزيدية ديانة ترى في الجمال أثراً من آثار الخالق. والطاووس بجماله الفريد أقرب الطيور إلى هذا التصور، فصار رمزاً للنور وللخلق وللجمال الإلهي.
2- الطاووس كوسيط بين الأرض والسماء: في الميثيولوجيا الإيزيدية طاووس ملك ليس الطائر نفسه، بل تجل نوراني اتخذ الطاووس رمزاً له.
3- الطاووس كرمز للهوية: مع الزمن، ومع عمليات الاضطهاد المتكررة، وفرمانات الإبادة الجماعية الصادرة بحقهم صار الطاووس رمزاً للتماسك وللخصوصية الإيزيدية وللهوية نفسها. بحيث صار علامة انتماء لا مجرد رمز ديني.
الطاووس في نص أحمد إسماعيل:
النص يستخدم الطاووس بطبقاته الثلاث؛ الجمال، الرمز الديني والهوية. والأهم أن النص يعيده إلى طبيعته الجميلة المسالمة. لا يعتدي على غيره.
الطاووس مقابل الذئاب
النص يضع الطاووس، هذا الطائر الهادئ، في مواجهة الذئاب السوداء والعواء والسيوف والقتل والاغتصاب (الجماعات الإسلامية المتطرفة).. يضعه كقوة جمال وليس كقوة عسكرية.. قوة لا تقاتل لكنها تمنح معنىً للبقاء.
الطاووس كملاذ روحي
حين نجد جسد كلبهار في النص ممزقاً مهاناً مستباحاً، نراها تلجأ إلى جسد الطاووس الجميل النقي الكامل. تلجأ إليه لأنه جسد بديل، جسد لم يدنّس، لأنه ملك نوراني.. تقول:
“يا طاووس ملك.. اجعلني في ستر جناحيك. قلبي يرتجف، وقدماي لا تحملانني”.
وهكذا يتحول الطاووس إلى ملجأ روحي للجسد الممزق، وتجد فيه شفيعاً: “يا طاووس ملك.. يا شفيعي.. لا أريد شيئاً سوى أن يعودوا جميعاً سالمين.”
وحين تسمع صوت سيارة قادمة تقول بعفوية وهي تظن أن السيارة تحمل أهلها: “شكراً يا طاووس ملك.. وأخيراً استجبتَ لرجائي..”
الطاووس كذاكرة قبل الجرح
قبل أن تساق كلبهار إلى الأسر كان الطاووس جزءاً من طفولتها، حيث كانت صورته تحتل مساحة من جدار البيت. هو ما تبقى لها من العالم القديم، لذلك حين تصرخ باسمه، أو تناجيه، فهي تريد العودة إلى ما قبل الألم.
تقول كلبهار: “اشتقت إليكم.. لم تغادروا ذاكرتي يوماً؛ لا في ليلٍ ولا في نهار.. (تتناول صورة معبد لالش بخشوع، تضعها على الجدار بجانب الطاووس).” فهي هنا حين تضع صورة المعبد بجانب الطاووس إنما تحاول إعادة ترتيب “البيت القديم” في ذاكرتها وكأنها تستحضر رائحة أهلها من خلال هذه الرموز.
الصرخة
الصرخة في النص ليست فعلاً صوتياً، إنما هي بنية درامية تتكرر بأشكال متعددة: صرخة الجسد، صرخة الهوية، صرخة الخلاص وصرخة الذاكرة…
الصرخة كاستعادة للذاكرة
كل مشهد في النص هو صرخة لتعاد معايشتها لا لتروى فقط.. وربما أقساها حين تتذكر أختها دريا وما فعلت بها الذئاب، فتصرخ بحرقة:
“ابتعدوا عنها! إنها صغيرة.. مشلولة.. لا تستطيع النهوض! اتركوها يا وحوش.. أيتها الكلاب الضالة!” الصرخة هنا قوية بحيث أنها مستعدة لأن تدفع حياتها ضريبة مقابل إنقاذ أختها.. الصرخة هنا عودة قسرية إلى الجرح وليست مجرد تذكر..
الصرخة كجسد
حين تقفز كلبهار من الكرسي، أو تخنق نفسها بالثياب في كل ذلك يتحول الجسد إلى صرخة صامتة. إنه الجسد الذي لم يعد قادراً على الكلام فيصرخ.. وحين تنتبه إلى الجنين في بطنها تضربه صارخة: “مُتْ! لا أريدك.. أنت عار… ابن حرام.. عار.. عار!” وكأنها بقولها هذا تريد التخلص من كل ما يذكرها بما لاقت من عذاب.
الصرخة كرفض
حين تواجه كلبهار الاتهام والوصم بالعار تصرخ: “لستُ داعشية! أنا كلبهار!”
تريد بهذه الصرخة إثبات وجودها، إعلان هويتها أكثر من رغبتها في الدفاع عن نفسها.. تؤكد أنها ما تزال كلبهار النقية رغم ما ألحقت الذئاب بجسدها ما ألحقته..
الصرخة كرغبة في الخروج من القفص
والقفص هنا ثلاثي الأبعاد: جسدي، اجتماعي، نفسي.
فحين تقع في الأسر يضعونها في قفص ويقولون لها: “ارتدي الخمار..لا تغادري القفص يا كافرة!”
وحين تعود يحاصرها القفص الاجتماعي من جهات عدة؛ فقدان العذرية، البقاء في يد الذئاب فترة طويلة، الجنين.. وتفكر في نتائج التهم التي تواجهها من المجتمع:
– “سيحتقرونني إذا رأوا بطني”، ” إنه ابن حرام”، اخرجي من بيتنا.. عودي بهذا الجرو”!
فالمجتمع يعيد إنتاج القفص بعد نجاتها والعذاب الذي لقيته في الأسر!
إلى أن يتحول عقلها إلى قفص حين لاتغادرها الهواجس، وتشك في كل شيء حتى أمها.. فحين تسمع صوت أمها تدندن لها، يكون رد فعلها: “إنهم يقلدون صوت أمي”. “الذئاب.. هم مرة أخرى”.
وهكذا تعيش في سجن عقلها..
الصرخة ضد الذئاب
الذئاب هنا ليست تلك الحيوانات المعروفة، إنما هي تلك المجموعة المتوحشة من البشر والذين فقدوا قيمهم وإنسانيتهم حين ارتضوا أن يكون جزءاً من داعش الجهادية الإسلامية..
حين تتذكر كلبهار المشهد وتصف الذئاب السوداء، يأتي وصفها صرخة معجونة بالوجع تخرج من أعماقها ؛ صرخة صامتة: “نادوا أبا قتادة وأبا المنصور!.. سبايا!.. سبايا!.. أزبدوا، صرخوا، جرّوني وأختي من تحت اللحاف.”
فهذه الأسماء ليست مجرد كنى داعشية. هي جزء من تراث عقائدي تشكل عبر قرون..
حين يكنى الإنسان ب”أبو” فلان، تُلغى هويته الفردية وتحوله إلى رقم، إلى أداة في قطيع همجي.. حين تغيب الأسماء الحقيقية تلغى الشخصيات ويصبح الكل متشابهين.. تكرار “أبو” يخلق مفارقة؛ فالأب الذي يعني الحماية يتحول إلى قاتل/مغتصب..
” سبية! سبية! إنها لك يا أبا الوليد!”.. ” سبيتان جميلتان يا أبا عمر! “
جدلية الطاووس والصرخة:
هنا يكمن جوهر النص؛ فالطاووس والصرخة ليسا رمزين متقابلين، بل قوتان تتجاذبان الشخصية. فالطاووس هو السماء، الهوية، الطهارة، الأصل. بينما الصرخة تمثل الأرض، الجرح، الجسد والسقوط. وكلبهار تتحرك بينهما ممزقة تحاول أن تبقى واقفة. كلما صرخت عادت إلى الطاووس وكأنها الطريق الوحيدة للوصول إليه، أو كأن الطاووس هو الوحيد القادر على احتواء الصرخة.
وكلما لجأت إلى الطاووس خرجت منها صرخة جديدة. فالطاووس لا يقدم لها الخلاص، إنه مرآة يكشف لها عمق الجرح وليس ضمادة. والصراع بينهما هو صراع النص كله. فالنص لا يبحث عن حل، بل عن توازن بين الطهارة والجرح، بين الهوية والذاكرة، بين الروح والجسد.
النص في جوهره طقسٌ تطهيري؛ الطاووس هو الكاهن والصرخة هي الاعتراف وكلبهار هي المصلية التي تحاول أن تعود إلى نفسها.. وهذا ما يمنحه إيقاعاً دائرياً ولغة مشحونة إضافة إلى حضور روحي وعمق يتجاوز الواقعة إلى الأسطورة الشخصية.
ختاماً نستطيع القول أن الطاووس يمنح الشخصية هوية تحاول التشبث بها والصرخة تمنحها وسيلة لمواجهة ما لا يمكن مواجهته. وبينهما تتشكل تراجيديا ناجية تبحث عن معنى وعن مكان لها تقف فيه بين السماء والأرض.
وأخيراً فإن الرموز مجتمعة تكشف فكرة خطيرة، وهي أن العنف لم يكن جسدياً فقط، وإنما أعاد تشكيل اللغة الأسماء، العلاقات، وحتى معنى الأبوّة والأمومة، كما كشفت أن العدو ليس الذئاب وحدهم، إنما يشاركهم المجتمع والذاكرة والخوف من الحكم… لذلك تبقى كلبهار عالقة بين باب قد يفتح على الخلاص أو يعيدها إلى القفص.

><