سیما تیڤی

بين القيادة والمجتمع: قراءة في الواقع الإيزيدي من منظور فلسفي.

سما_دهوك

بقلم: د. فارس كتي

عند التأمل في واقع المجتمع الإيزيدي اليوم، لا يمكن إغفال حالة التباعد المتزايدة بين المجتمع من جهة، وقياداته الدينية والاجتماعية والثقافية من جهة أخرى. فالمتابع للشأن الإيزيدي يلحظ وجود فجوة آخذة في الاتساع، تتجلى في اختلاف الأولويات، وتراجع الثقة المتبادلة، وتنامي الشعور لدى شرائح واسعة من المجتمع بأن صوتها لم يعد يصل إلى مراكز التأثير والقرار كما ينبغي.

 

قد تساعدنا بعض الرؤى الفلسفية في فهم هذه الحالة بصورة أعمق. فقد رأى الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز أن المجتمعات تحتاج إلى مرجعية جامعة قادرة على توحيد الإرادات المتعددة وتوجيهها نحو المصلحة العامة. وعندما تضعف هذه المرجعية أو تتعدد مراكز التأثير، تبدأ الجماعات والأفراد بالتحرك وفق رؤاهم ومصالحهم الخاصة، الأمر الذي يقود إلى حالة من التشتت وفقدان البوصلة المشتركة. ولعل هذا ما نشهده اليوم بدرجات متفاوتة داخل المجتمع الإيزيدي، حيث تعددت الجهات المتحدثة باسمه، دون أن يقابل ذلك توافق واضح حول مشروع جامع للمستقبل.

 

أما جان جاك روسو فقد ربط شرعية القيادة بمدى قدرتها على التعبير عن الإرادة العامة للمجتمع. ومن هذا المنطلق يمكن القول إن أي فجوة بين القيادة والناس لا تنشأ فجأة، بل تتشكل تدريجياً عندما يشعر جزء من المجتمع بأن تطلعاته ومشكلاته لم تعد تحظى بالاهتمام الكافي، أو أن القرارات والقضايا المصيرية تُناقش بعيداً عن المشاركة المجتمعية الواسعة. وهنا لا يتعلق الأمر بالأشخاص بقدر ما يتعلق بطبيعة العلاقة بين المؤسسة والمجتمع.

 

ومن زاوية أخرى، يقدم الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس تفسيراً لا يقل أهمية، إذ يرى أن قوة المجتمعات لا تكمن في السلطة وحدها، بل في قدرتها على إنتاج حوار حقيقي بين مختلف مكوناتها. وفي حالتنا الإيزيدية يبدو أن المشكلة لا تكمن فقط في اختلاف الآراء، فهذا أمر طبيعي وصحي، بل في ضعف المساحات التي تسمح بحوار هادئ ومنظم بين القيادات والنخب والجمهور. وعندما يغيب الحوار المنهجي، تحل محله التأويلات وسوء الفهم والاصطفافات المتقابلة.

 

إن ما يزيد من تعقيد هذا الواقع هو أن المجتمع الإيزيدي لا يزال يعيش تداعيات كارثة تاريخية غير مسبوقة، تمثلت بالإبادة الجماعية وما تبعها من نزوح وهجرة وتغيرات اجتماعية وثقافية عميقة. ولذلك فإن جزءاً كبيراً من الإشكالات الراهنة لا يمكن فصله عن هذه التحولات الكبرى التي أعادت تشكيل المجتمع وفرضت تحديات جديدة على الجميع.

 

إننا اليوم بحاجة إلى إعادة بناء جسور الثقة بين المجتمع وقياداته، وإطلاق حوار جاد ومسؤول حول الأولويات والتحديات المشتركة. فالمجتمعات التي مرت بتجارب قاسية لا تستطيع النهوض إلا عندما تتحول اختلافاتها إلى مصدر قوة، وتصبح المصلحة العامة أعلى من المصالح الفئوية والشخصية الضيقة.

><