سیما تیڤی

على حافة الرصاص

دلشاد نعمان
في جلسة صداقة جمعنا نحن أصدقاء قدماء، كان كاوة سريجكي يروي حكايته ببطء، كأن الكلمات تنتزع نفسها من أعماق ذاكرة لم ينجح الزمن في تضميد جراحها.
رجل في الخمسين من عمره، طويل القامة، هادئ الملامح، ينحدر من إحدى القرى الإيزيدية التابعة لمنطقة القوش، في قضاء تلكيف، ويقيم اليوم في ألمانيا، غير أن جزءاً من روحه ما زال معلقاً هناك، بين طرقات نينوى وغبارها، حيث لا تزال بعض الذكريات تأبى أن تموت.
قال لي:
“في منتصف عام 2005، وبعد سنوات طويلة من الغياب، عدت إلى العراق. كنت قادماً من بغداد باتجاه مسقط رأسي، وبرفقتي ثلاثة من أصدقائي الإيزيديين، جميعنا من أبناء المنطقة نفسها.. استأجرنا سيارة أجرة يقودها رجل كردي مسلم يدعى حمو، وكان الطريق طويلاً، والحر يثقل الأنفاس، حتى بدا كل واحد منا يحلم فقط بالوصول إلى بيته”.
توقف لحظة، ثم أردف:
“كل شيء كان يسير بهدوء، إلى أن اقتربنا من سيطرة مدخل نينوى.. هناك قرر حمو، على غير توقع، أن يقود سيارته عبر المسار المخصص للتجاوز، متخطياً صفوف السيارات المنتظرة. توسّلنا إليه جميعاً أن يتراجع عن فكرته، وقلنا له إن هذا الطريق قد يجر علينا مشكلات نحن في غنى عنها، لكنه ابتسم بثقة من اعتاد المجازفة، وقال إنه فعل ذلك مرات كثيرة من قبل، وإنه متعب، وإن طريقه لا يزال طويلاً، ولا يريد أن يهدر ساعة أخرى في الانتظار. لم نقتنع بكلامه، لكننا في النهاية كنا مجرد ركاب، أما المقود فكان بين يديه، واستسلمنا لرأيه على مضض”.
ساد الصمت في السيارة لحظات، ثم قال:
“ما إن وصلنا إلى السيطرة حتى أشار إلينا أحد الجنود بالتوقف. اقترب من السيارة بوجه متجهم، وأمر حمو بفتح صندوق الأمتعة. وما إن رفع الغطاء حتى دوّى في أذني صوت سحب مزلاج السلاح، ذلك الصوت المعدني البارد الذي يكفي وحده ليزرع الرعب في القلوب”.
وتغيرت نبرة كاوة وهو يستعيد تلك اللحظة:
“بدأ الجندي ينهال علينا بالشتائم، وصاح بأعلى صوته: أيها الكفار! هل تحملون المنكر؟! والله لأذبحنكم هنا! ثم تناول جهاز الاتصال العسكري، وأبلغ ضابطه قائلاً: سيدي، هناك سيارة تجاوزت السيطرة، وركابها سكارى ويحملون معهم المنكر”.
تنهد كاوة، ثم قال:
“كان يقصد بالمنكر زجاجات المشروبات الكحولية التي كانت بحوزتنا، وهي لم تكن ممنوعة قانوناً آنذاك، بل كانت مجرد هدايا من أصدقاء في بغداد. نزلت من السيارة محاولاً أن أطفئ النار قبل أن تمتد، وقلت له بهدوء: رحمةً بوالديك يا أبا خليل… نحن لسنا سكارى، ولم نأت لنستهين بواجبكم، ولم نقصد الإساءة إلى السيطرة. كل ما في الأمر أننا جئنا من بغداد بعد سفر طويل، وطلبنا فقط أن تسمحوا لنا بالعبور من دون أن نتسبب بزحام. نحن إيزيديون، وهذه المشروبات ليست محرمة في معتقدنا، وهي ليست ممنوعة من قبل الحكومة أيضاً. فلا داعي لتضخيم الأمر”.
لكن كلماته لم تجد طريقها إلى أذن الجندي.
“صرخ في وجهي بعنف، وراح يشتمنا، ويشتم معتقدنا، ثم شتم رئيس الوزراء إبراهيم الجعفري، وسبّ الحكومة بألفاظ قاسية، قبل أن يدفعني بقوة إلى داخل السيارة، وأجبر السائق على الصعود أيضاً، ثم أغلق الأبواب علينا، بينما كانت حرارة تموز تختنق داخل السيارة كأنها فرن مغلق”.
ثم خفض صوته وقال:
“في تلك اللحظة سمعنا صوت الضابط عبر جهاز الاتصال وهو يأمر الجندي قائلاً: اضرب كل واحد منهم طلقة في رجله”.
توقف كاوة قليلاً، وكأن العبارة ما زالت تتردد في أذنيه بعد كل تلك السنين.
“اجتاحنا خوف لا يوصف. لم نصدق أن زجاجات ويسكي يمكن أن تقود إنساناً إلى حافة الموت. أخذ كل واحد منا ينظر إلى الآخر بصمت، ونحن نتساءل في داخلنا: ألهذا الحد يمكن أن تتحول سلطة القانون إلى خوف؟ ألهذا السبب يعامل مواطنون عائدون إلى بيوتهم كما لو أنهم مجرمون”؟
وأضاف:
“بعد دقائق فتحوا أبواب السيارة، وأنزلونا جميعاً، أنا وأصدقائي الثلاثة، والسائق حمو. أمرونا أن نقف بمحاذاة جدار إسمنتي، وأن نواجه الحائط. صاح الجندي: من يلتفت سأطلق عليه النار فوراً”.
قال وهو يحدق في الفراغ:
“في تلك اللحظات لم يعد الزمن يسير كما اعتدناه. صار كل ثانية دهراً كاملاً. كنا ننتظر الرصاصة التي قيل إنها ستستقر في ساق كل واحد منا. كانت قلوبنا تدق بعنف حتى خُيّل إلينا أن الجنود يسمعونها”.
ثم أكمل:
“وفجأة دوى إطلاق نار كثيف خلف ظهورنا. اخترقت الطلقات الهواء، واهتز المكان كله. ظننا أن النهاية قد جاءت، وأن الرصاص الذي سمعناه كان يخترق أجسادنا. لم يجرؤ أحد منا على الالتفات، فقد كان الخوف أكبر من الفضول، وأثقل من القدرة على التفكير”.
ابتسم ابتسامة حزينة وهو يقول:
“لكن بعد لحظات بدأنا نسمع صوت تحطم الزجاج، الواحد تلو الآخر. عندها أدركنا أنهم لم يطلقوا النار علينا، بل كانوا يحطمون زجاجات المشروبات التي كانت في صندوق السيارة. لأول مرة منذ دقائق طويلة تنفسنا الصعداء، وإن بقيت أقدامنا ترتجف من هول ما عشناه”.
ثم تابع:
“ولم تمض دقائق حتى وصلت ثلاث سيارات عسكرية، وترجل منها ضابط آخر. سأل عما حدث، فاقتربت منه، وأنا أكاد أختنق من الغضب، ورويت له القصة منذ بدايتها، من تجاوز المسار حتى تهديدنا بإطلاق النار. وما إن فهم حقيقة ما جرى حتى انفجر غضباً في وجه الجندي، وبدأ يوبخه بعنف. وبعد لحظات رأينا الجنود يرفعون أسلحتهم في وجه بعضهم بعضاً، بينما كان الضابط الجديد يقف مدافعاً عنا، رافضاً الطريقة التي عوملنا بها”.
وأضاف:
“طوال ذلك الوقت كانت السيطرة متوقفة بالكامل. امتد طابور السيارات إلى مسافات بعيدة، وأخذ الازدحام يكبر دقيقة بعد أخرى، فيما بقي الجميع ينتظر نهاية هذه المواجهة التي لم يكن أحد يعرف كيف ستنتهي”.
ثم قال، وقد ارتسمت على وجهه دهشة لم تغادره منذ ذلك اليوم:
“وفجأة وصلت مفرزة من الجيش الأمريكي، ترافقها مدرعات، وكانت طائرة تحلق في السماء فوق السيطرة. ما إن ترجل الضابط الأمريكي حتى بدأ يستفسر عن سبب توقف الطريق. حاولت بكل ما أملك أن أصل إلى المترجم، وشرحت له بالتفصيل ما تعرضنا له. نقل المترجم كلامي إلى الضابط الأمريكي، وبعد وقت قصير صدر القرار بالإفراج عنا”.
صمت كاوة طويلاً، ثم ختم حديثه بصوت يكاد يهمس:
“لا أعرف ماذا جرى بينهم بعد ذلك، ولا كيف انتهى الخلاف بين الضباط والجنود، لكنني أعرف شيئاً واحداً فقط… أن الإنسان قد ينجو بجسده، بينما تبقى روحه أسيرة اللحظة التي ظن فيها أنه سيموت. خرجنا من تلك السيطرة أحياء، لكن شيئاً في داخلنا بقي هناك، عند ذلك الجدار، تحت شمس نينوى اللاهبة، بين صوت الرصاص ورائحة الزجاج المحطم. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد العراق بالنسبة إلينا مجرد وطن تركناه ثم عدنا إليه، بل صار وطناً تعلمنا أن الطريق إليه قد يكون أكثر قسوة من الغياب عنه، ولذلك لم نستطع أن نزوره سنوات طويلة، وكأن الخوف ظل يقطع الطريق بيننا وبينه كلما فكرنا بالعودة.

><