سیما تیڤی

مفهوم الاستراتيجية الامريكية الجديدة

سما-دهوك

 

بقلم: قاسم الجندي

لم يعد الدفاع عن الوطن مقتصرًا على حدود الولايات المتحدة الأمريكية، بل توسع إلى نصف الكرة الغربي ليشمل مناطق استراتيجية مثل غرينلاند وكندا وقناة بنما، وصولًا إلى أمريكا الجنوبية. في المقابل، نجد ان اولوياتها تتراجع عن دول أوروبا والشرق الأوسط، مع رسالة ضمنية واضحة امريكية لحلفائها في الناتو. عليكم أن تتحملوا مسؤولية أمنكم بأنفسكم.

تُعيد واشنطن تركيزها على الاقتصاد والتكنولوجيا كسلاحين للردع. تهدف السياسات الجديدة إلى إعادة التصنيع، وبناء القوة من الداخل، وجذب سلاسل التوريد، وفرض رسوم جمركية لإعادة التوازن التجاري، مع الاستثمار بكثافة في الذكاء الاصطناعي لضمان التفوق على الصين وروسيا، وتحقيق هيمنة كاملة على قطاع الطاقة في مختلف المجالات.

ان مفهوم الاستراتيجية الأمريكية يتحول إلى تحالف المصالح وليس القيم، أي علاقةُ مصالحَ ومسؤولياتٍ متبادلة. حيث يُطلب من حلفائها في أوروبا رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي، مع معاملة تفضيلية للملتزمين، وتقليص الدعم عن الآخرين. في آسيا، ويتم تضييق التحالفات، والتركيز على اليابان والفلبين في إطار الخط الدفاعي الأول لمواجهة الصين؛ لأنها في مواجهة حتمية مع الصين وتقدمها التكنولوجي .

تتبنى واشنطن عقيدة القوة الأمريكية القادرة على الردع الانتقائي، وترفض الانخراط في حروب طويلة. ولكن ما نجده في الواقع يختلف، والأولوية الامريكية الآن هي حماية الأراضي والفضاء السيبراني، مع بناء قدرات عسكرية متقدمة متمركزة في المحيط الهادئ، مع ضمان الاكتفاء الذاتي في التصنيع الحربي. هذه الاستراتيجية تمثل قطيعةً مع الماضي. لم تعد أمريكا القوة العظمى التي تدير العالم، بل هي القوة العظمى التي تتنافس من أجل بقائها، ونجد ايضاً انها متخلية عن الخطاب الأخلاقي كالديمقراطية وحقوق الإنسان، كل ذلك نحو لغة المصالح، والعائد على الاستثمار، وإدارة المخاطر المباشرة.

طرحت الولايات المتحدة مشاريعها للتغيير في المنطقة العربية. وشهدت التوجهات الأمريكية نحو المنطقة العربية،ورفعَ الإدارة الأمريكية شعارات التغيير في المنطقة، كالأمن والإصلاح والسلام، وصورت للشعوب العربية أن التغيير يمثل فرصةً، على أنها سانحة للنهوض والتحرر من أنظمة دكتاتورية فاسدة، وتحقيق الديمقراطية بين دول منضوِية في نظام شرق أوسطي قائم على التعاون الإقليمي، بإنشاء أسواق ومنطقة تجارة حرة مع دول المنطقة، آخذين بالاعتبار دور إسرائيل كركيزة أساسية في هذا النظام الجديد.

يمكن وصف الاستراتيجية الأمريكية الحالية بأنها تسعى لتحصين الداخل الأمريكي، عبر تعزيز الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا، مع الاحتفاظ بالقدرة على التدخل بشكل انتقائي في المناطق الحيوية لمصالحها، خاصة في آسيا لمواجهة الصين. والهدف الرئيسي لأمريكا في منطقة آسيا هو ردع الصين، من خلال بناء قدرات عسكرية متقدمة ونشرها على طول الخط الدفاعي الأول. هذا يمثل نقلة نوعية من دور القوة العظمى المُهيمِنة التي تدير النظام العالمي، إلى دور القوة العظمى المُنافِسة التي تركز على تعزيز مكانتها من خلال بناء قوتها الذاتية وإدارة المخاطر التي تهدد مصالحها المباشرة.

><