سیما تیڤی

غياب معبد لالش عن الجواز الإلكتروني: عن أزمة التجسيد الحضاري وحق المكونات الأصيلة.

خلو خلاني
تمثل وثائق السفر الوطنية لكل بلد عنواناً بصرياً لهويته وتجسيداً لعمقها التاريخي والتنوع الثقافي والحضاري الذي تشكل عبر العصور. وفي العراق مهد الحضارات وأرض التعددية جاء إطلاق جواز السفر الإلكتروني الجديد محاطاً بالتطلعات لأن يكون مرآة حقيقية تعكس جغرافية البلاد من زاخو إلى الفاو وتمنح كل مكون أصيل حقه في الحضور والرمزية. غير أن قراءة متأنية لـ (26) صورة ومعلماً معمارياً واثارياً تضمنتها صفحات الجواز الجديد تكشف عن خلل واضح في توازن هذا التمثيل، إذ طغت الرموز والمعالم الدينية والتاريخية لطوائف ومكونات معينة بينما غاب عن هذه الصفحات أحد أقدم وأهم المراكز الدينية والحضارية في بلاد ما بين النهرين: معبد لالش المقدس.
ومن واقع متابعتنا المستمرة لملفات التراث والبحث التاريخي في المنطقة نؤكد أن الحديث عن معبد لالش ليس مجرد حديث عن معلم ديني يخص المكون الإيزيدي فحسب، بل هو حديث عن أقدم أشكال العمارة والكهوف التي اتخذها الإنسان العراقي القديم معبداً وملاذاً روحياً. تعود جذور هذا الموقع المقدس وعمارته إلى آلاف السنين حيث تتداخل فيه الطبيعة والكهوف مع البناء الإنساني في مرحلة تسبق في قدمها وآثارها العديد من المعالم والأواني التاريخية المعروفة. فإذا كان معيار اختيار الصور في وثيقة الجواز ينطلق من الأصالة والقدم التاريخي فإن الإيزيديين من أقدم الشعوب والمكونات التي استوطنت أرض الرافدين وشيدت مراكزها الروحية عليها، وإذا كان المعيار هو الرمزية الثقافية والدينية فإن معبد لالش يمثل الروح والمركز لواحد من أساسيات النسيج العراقي المتنوع.
إن غياب معبد لالش عن الصفحات التعريفية للجواز العراقي الإلكتروني يثير تساؤلات مشروعة حول الآلية التي اعتمدتها اللجان الفنية المشرفة على تصميم هذه الصور إذ ركزت على معالم محددة دون استناد إلى مسح أثري وثقافي شامل ينصف التنوع الديني والإثني في البلاد. كما يعكس هذا الغياب ضعف التنسيق المؤسسي وإغفال إشراك الخبراء والممثلين الثقافيين في مراحل الإعداد الأولى مما أدى إلى نسيان شريحة أساسية تشكل ركناً رئيسياً في تاريخ البلاد، مؤكداً أن التعبير عن العراق لا يكتمل باختزال معالمه في محطات أو مدن محددة بل بابراز تعدد أديانه ولغاته وثقافاته.
إن المطالبة بوضع صورة لمعبد لالش في الجواز ليست مجرد رغبة في إضافة معلم أثري آخر بل هي مطالبة باحقاق الحق الثقافي والتاريخي لمكون أصيل. وهنا تجدر الإشارة إلى أن التقصير في متابعة هذا الملف وتغييب هذا المعلم لا يقع على جهة واحدة فحسب بل هو خلل وتنسيق مفقود بين عدة جهات تتحمل المسؤولية بوضوح:
1- الجهات الحكومية واللجان التنفيذية في بغداد: لعدم اعتمادها مسحاً شاملاً للتنوع العراقي وإغفالها إشراك ممثلي المكونات في تصميم الرموز الوطنية.
2- أعضاء البرلمان العراقي وممثلو مجلس المحافظة من الإيزيديين: لغياب المتابعة الرقابية والنيابية المسبقة لملف تصميم الوثائق الرسمية مع الوزارات المعنية.
3- مديرية شؤون الإيزيديين في وزارة الأوقاف: لقصور التنسيق المؤسسي المباشر في رفع الملفات والوثائق التي تثبت الأهمية التاريخية والأثرية للمزارات الإيزيدية للجان المختصة.
4- المجلس الروحاني الأعلى وأمير الإيزيديين: لعدم المبادرة بتقديم المذكرات الرسمية والضغط الرمزي والسياسي لضمان حضور معالم المكون في الوثائق السيادية.
نضع هذه الملاحظات أمام الجهات المختصة والجمهور داعين إلى مراجعة تصاميم الإصدارات القادمة للجواز الإلكتروني ليكون حقاً وثيقة تعبر عن جميع العراقيين وتروي تاريخ أرض الرافدين بكامل أطيافها دون استثناء.

><