سیما تیڤی

مهن أهالي ئێن سفني وذاكرة المكان

فرهاد الياس

كانت ئێن سفني في سالف الأيام قرية صغيرة لكنها كانت غنية بأرضها ومياهها ومواشيها وحرف أهلها وبعلاقاتها الاقتصادية والاجتماعية مع محيطها وكانت الحياة فيها تقوم على العمل والإنتاج والتعاون وكان لكل فرد مهنة أو دور يسهم به في حياة الأسرة والمجتمع ولذلك فإن الحديث عن مهن أهالي ئێن سفني هو حديث عن أسلوب حياة متكامل عاشه الآباء والأجداد قبل وصول الآلات ووسائل النقل والخدمات الحديثة
كانت الزراعة أهم المهن ومصدر الغذاء والرزق واعتمدت على الزراعة الديمية التي تزرع فيها الحنطة والشعير والحمص والعدس وغيرها وعلى الزراعة المروية التي اشتهرت بزراعة الرز والبطيخ والقثاء وبعض المحاصيل الأخرى وكان الفلاح يعتمد على الدواب في الحراثة وعلى العمل اليدوي في الحصاد ونقل المحاصيل وكانت خبرته بالأرض والمياه والمواسم تنتقل من جيل إلى آخر
وجاءت تربية الأغنام والأبقار والمواشي في مقدمة مصادر الرزق بعد الزراعة فكانت توفر اللحم والحليب والصوف كما استخدمت الدواب في الحراثة والنقل وحمل المحاصيل ومن هذه الثروة نشأت أعمال أخرى مثل صناعة السمن ومشتقات الحليب والغزل والنسيج وكانت المطاحن المائية من المهن المهمة مستفيدة من كثرة الينابيع والمياه الجارية حيث تحول الحبوب إلى طحين وكانت المطحنة جزءا من الحياة الاقتصادية والاجتماعية للقريةوكانت مهنة سم تراش ضرورية للعناية بحوافر الخيل والبغال والحمير وتركيب النعال لها في زمن كانت فيه الدواب وسيلة أساسية للنقل والعمل كما كان الرعي من المهن المهمة حيث يتولى الراعي رعاية القطعان ومعرفة المراعي والينابيع ومسالك الجبال أما البناء ونقار الحجر وتهذيبه فكانا من الحرف التي شكلت عمارة القرية واعتمدت البيوت القديمة على الحجر والمواد المحلية بينما كانت الحطابة توفر الخشب للبناء والسقوف والتدفئة والطبخ وكانت هذه الأعمال تحتاج إلى خبرة وقوة وتحمل
وكان الصوف يتحول إلى خيوط ومنسوجات وملابس تقليدية ومنها المبزرك وكان للمرأة دور مهم في هذه الصناعة كما عرفت القرية تربية النحل وإنتاج العسل وصناعة الفخار الذي يستخدم في التنور والمواقد وبعض الأدوات المنزليةوكان لبعض النساء الكبيرات دور مهم في توليد النساء ومساعدتهن أثناء الولادة كما اعتمد الأهالي على الطب الشعبي والأعشاب في علاج كثير من الأمراض وكانت هذه المعارف تنتقل من جيل إلى آخر

ومن المهن الاجتماعية الكزير أو المنادي الذي كان ينادي على الناس ويبلغهم الأخبار والإعلانات في زمن لم تكن فيه وسائل الاتصال الحديثة كما كانت صناعة جلال الدواب من الحرف المرتبطة بالزراعة حيث يستخدم القش بعد الحصاد لصناعة الجلال التي تحمل عليها المحاصيل والبضائع وهكذا كانت المهن مترابطة في دورة إنتاجية واحدة فالفلاح يزرع والمطحنة تطحن والمواشي توفر الغذاء والصوف والراعي يرعى القطعان وسم تراش يعتني بالدواب والبناء ونقاش الحجر يشيدان البيوت والحطاب يوفر الخشب والمرأة تغزل الصوف والنساج يصنع النسيج ومربي النحل ينتج العسل وصانع الفخار يصنع التنور والكزير يبلغ الناس أخبارهم وصانع الجلال يساعد في نقل المحاصيل وكانت الموصل السوق الرئيسية التي تصل إليها منتجات ئێن سفني الزراعية والحيوانية ويعود الأهالي منها بما يحتاجون إليه من السلع كما ربطت القرية بالموصل علاقات اجتماعية وعائلية استمرت عبر أجيال وكانت أسماء الحقول والمراعي والينابيع تحفظ جانبا من جغرافية القرية وتاريخها وتنتقل شفهيا من جيل إلى آخر ولذلك فإن جمع هذه الأسماء وأسماء المهن وأصحابها وأماكنها وأدواتها يعد جزءا مهما من توثيق تاريخ ئێن سفني إن مهن أهالي ئێن سفني ليست مجرد أعمال قديمة بل هي جزء من هوية المكان وذاكرته فهي تحكي عن أناس صنعوا حياتهم بأيديهم واعتمدوا على الأرض والماء والحيوان والحرفة وتعاونوا فيما بينهم وامتلكوا معرفة واسعة ببيئتهم انتقلت من الآباء إلى الأبناء وإذا كان الزمن قد غير كثيرا من مظاهر الحياة فإن توثيق هذه المهن اليوم أصبح ضرورة قبل أن يغيب شهودها فالمهنة قد تختفي لكن أثرها يبقى في ذاكرة المكان وما لا يكتب اليوم قد لا يجد من يرويه غداهذه هي ئێن سفني التي عاشها الآباء والأجداد قرية صغيرة في حجمها كبيرة في إنتاجها غنية بأرضها ومياهها ومواشيها وحرفها ترك أهلها وراءهم ذاكرة تستحق أن تحفظ وتوثق لاجيال

><