أجريتُ اليوم حوارًا مع طالبة ألمانية اختارت أن تكتب بحث تخرّجها عن الأيزيديين، وعن معنى الانتماء لديهم. وخلال حديثنا طرحت عليّ سؤالًا بقي صداه في داخلي حتى بعد انتهاء الحوار:
كيف استطاع الأيزيديون، عبر أجيال متعاقبة، أن يحافظوا على شعور أبنائهم بالانتماء؟
كانت إجابتي الأولى، وأبسط ما استطعت أن أعبّر به عمّا أشعر به:
إنها المحبة.
محبة العائلة، ومحبة الإيمان، ومحبة الهوية، ومحبة ذلك الشعور العميق بأن هناك شيئًا ننتمي إليه ويحيا في داخلنا.
ومن هذه الإجابة وجدتُ نفسي أفكر في واقعنا اليوم: كيف يستمر هذا الانتماء، ولا سيما بين الشباب الذين يعيشون في مجتمعات مفتوحة، أمامهم خيارات كثيرة وطرق مختلفة للحياة، وفي الوقت نفسه ينتمون إلى مجتمع له تقاليده وحدوده الخاصة، ومنها الزواج داخل المجتمع الأيزيدي؟
فلو لم تكن هناك محبة حقيقية لهذا الانتماء، فما الذي يجعل الإنسان يبقى قريبًا منه حين تكون أمامه إمكانية حقيقية للابتعاد؟
ومن يعيش في أوروبا يعرف جيدًا ما أعنيه.
أبناؤنا وبناتنا يدرسون ويعملون ويلتقون بأناس من ثقافات وأديان وخلفيات مختلفة. أمامهم علاقات وفرص وطرق حياة كثيرة، ولا أحد يستطيع أن يغلق العالم من حولهم.
ومع ذلك، يختار كثيرون منهم أن يبقى لهذا الانتماء مكان في حياتهم.
وهنا، في اعتقادي، تكمن قوة المحبة.
فلو كان بقاء الإنسان مرتبطًا بالخوف أو الواجب أو الحدود وحدها، لما استطاعت هذه الأشياء أن تحفظ الانتماء جيلًا بعد جيل. ومن أراد اليوم أن يبتعد، يستطيع أن يبتعد.
لكن كثيرين لا يفعلون.
لأن وراء هذا البقاء شيئًا أعمق من الحدود والمحظورات: أن الإنسان يحب ما ينتمي إليه.
فالهوية لا تنتقل من جيل إلى جيل بالكلمات والتعليمات وحدها، بل بما يعيشه الإنسان منذ طفولته؛ في حضن العائلة، وفي الأعياد والطقوس، وفي الحكايات والذكريات والوجوه المألوفة، وفي ذلك الشعور بأنه بين أناس يفهمونه من دون أن يضطر في كل مرة إلى أن يشرح من هو.
وهنا لا يمكن تجاهل الدور الذي قام به الوالدان وكبار السن عبر الأجيال. فهم لم ينقلوا إلى أبنائهم الدين والتقاليد فحسب، بل نقلوا إليهم الذاكرة أيضًا؛ حكايات ما عاشوه، وما مرّ به من سبقهم من معاناة واضطهاد وتهجير، وكيف استطاعوا رغم ذلك أن يحافظوا على إيمانهم وهويتهم ومجتمعهم.
وحين يكبر الأبناء وهم يعرفون هذه القصص، يصبح انتماؤهم مرتبطًا بفهم أعمق لما ورثوه. فهم لا يرون فقط ما يختلف في مجتمعهم عن المجتمعات التي يعيشون بينها، بل يدركون أيضًا ما بذلته الأجيال السابقة من أجل أن يبقى هذا الإرث حيًّا حتى يصل إليهم.
وهذا الوعي قد يخلق في الإنسان نوعًا من الإصرار؛ لا إصرارًا نابعًا من الخوف، بل من المحبة والشعور بالمسؤولية والتقدير لمن سبقوه. فيصبح الحفاظ على الانتماء، بالنسبة إلى بعضهم، ليس مجرد التزام بما ورثوه، بل اختيارًا واعيًا بألّا يضيع بسهولة ما حافظت عليه أجيال قبلهم في ظروف كانت أشد قسوة.
وهنا يظهر دور الوالدين وكبار السن بصورة أعمق: ليس فقط أن يقولوا للأجيال الجديدة من هم، بل أن يساعدوهم على فهم لماذا بقي ما ينتمون إليه حيًّا حتى اليوم.
ولهذا لا أرى الانتماء مرتبطًا بالمكان وحده.
ففي الإيمان الأيزيدي، لا تتوقف صلة الإنسان بالله على مكانٍ بعينه، ولا تُحصر بين جدران. وللمزارات والأماكن المقدسة مكانتها الروحية والدينية، لكن الإيمان في جوهره يسكن القلب، ويحمله الإنسان معه أينما ذهب.
فما يسكن داخل الإنسان، لا يحتاج إلى مكانٍ خارجي كي يبقى حيًّا.
والانتماء يشبه ذلك أيضًا. فهو لا يعيش في الأرض أو الوطن أو البيت الذي وُلدنا فيه فحسب، بل يسكن في الذاكرة والإيمان والعائلة وشعور الإنسان بذاته. وقد يبتعد الإنسان آلاف الكيلومترات عن موطن أجداده، ومع ذلك يحمل شيئًا منه في داخله لا تستطيع المسافة أن تنتزعه منه.
ومن هنا يصبح «البيت» بالنسبة إليّ أكثر من مكان. إنه ذلك البيت الداخلي الذي تسكن فيه العائلة والذاكرة والإيمان والهوية والانتماء، والذي يستطيع الإنسان أن يحمله معه أينما ذهب.
لكن التفكير في هذا البيت الداخلي قادني إلى سؤال أبعد:
هل يحتاج الإنسان أصلًا إلى أن ينتمي إلى شيء، أم يكفي أن يكون هو نفسه؟
كلما فكرتُ في الأمر، لم أجد تعارضًا بين الاثنين. فالانتماء الحقيقي لا ينبغي أن يذيب الإنسان في محيطه، ولا أن يطلب منه أن يتخلى عن ذاته كي يبقى جزءًا ممن ينتمي إليهم. بل إن أجمل ما يمكن أن يمنحه الانتماء للإنسان هو جذور لا تقيّده، وذاكرة لا تحبسه، وهوية لا تمنعه من أن يكون نفسه.
فالإنسان لا يحتاج إلى الاختيار بين أن يكون ذاته وأن يكون منتميًا. وقد يكون أعمق أشكال الانتماء أن يجد في جذوره ما يساعده على أن يكون نفسه، لا ما يطلب منه أن يفقدها.
وهذا بالذات يجعلني أنظر إلى جيلنا الجديد بطريقة مختلفة.
فبدل أن ننظر دائمًا إلى شبابنا من زاوية الخوف والقلق مما قد نفقده، علينا أيضًا أن نرى ما يحافظون عليه، وأن نعترف بذلك ونقدّره.
أن نقدّر شبابنا، نساءً ورجالًا، الذين يعيشون وسط عالم واسع من الخيارات، ومع ذلك يختار كثيرون منهم، بإرادتهم، أن يحافظوا على إيمانهم وهويتهم وانتمائهم، وأن يبقى لهذا الإرث مكان حيّ في حياتهم.
فهذا ليس أمرًا ينبغي أن نعدّه بديهيًا.
حين يكون أمام الإنسان عالم كامل من الخيارات، ثم يختار أن يحمل معه شيئًا ورثه عن آبائه وأجداده، فإن هذا الاختيار نفسه يستحق أن نراه ونقدّره.
ونحن نحتاج، إلى جانب خوفنا على الجيل الجديد، إلى أن نثق به أيضًا؛ أن نرى ما يحمله، وأن نُشعره بأن اختياره لهذا الانتماء موضع تقدير.
ومن هنا يتغير السؤال نفسه.
فبدل أن نسأل دائمًا:
كيف نحافظ على أبنائنا وعلى انتمائهم؟
علينا أيضًا أن نسأل أنفسنا:
ماذا أعطيناهم ليحبّوا هذا الانتماء؟
لأن الانتماء الذي يقوم على الخوف يحتاج دائمًا إلى من يحرسه، أما الانتماء الذي تسكنه المحبة، فيحمله الإنسان معه أينما ذهب.
وهذا، في نظري، هو الفرق بين هوية نحاول أن نفرضها على أبنائنا، وهوية تصبح جزءًا منهم.
ولا يعني ذلك أن من اختار طريقًا مختلفًا أحبّ عائلته أو هويته بدرجة أقل، ولا أن للانتماء شكلًا واحدًا يجب أن يتشابه فيه الجميع. فالناس وتجاربهم وظروفهم مختلفة. ومسؤوليتنا ليست فقط أن نضع الحدود، بل أن نمنح أبناءنا انتماءً يجدون فيه المحبة والكرامة والمعنى؛ شيئًا يستحق أن يحملوه معهم حتى حين لا يكون هناك من يراقبهم.
لهذا أدركتُ اليوم أن استمرار هذا الانتماء، عبر كل ما مرّ به الأيزيديون، لا يمكن تفسيره بالحدود والمحظورات وحدها.
هناك شيء أبسط من ذلك، وربما أعمق:
لقد أحبّ الناس ما ينتمون إليه.
وهذه المحبة التي انتقلت بصمت من الآباء إلى الأبناء، ومن جيل إلى جيل، قد تكون أحد أهم أسرار بقاء هذا الانتماء حيًّا حتى اليوم.
فالانتماء الحقيقي لا يعني أن نمنع أبناءنا من رؤية العالم،
ولا أن نربطهم بمكان كي لا يبتعدوا،
بل أن نصنع في داخلهم بيتًا جميلًا بما يكفي،
يحملون فيه إيمانهم وذاكرتهم ومحبتهم أينما ذهبوا؛
حتى إذا رأوا العالم كله،
ظلّ الطريق إلى البيت حيًّا في داخلهم.
