سیما تیڤی

عيد الجما في الديانة الإيزيدية: التسمية والتاريخ والأحداث الفلكية

سما_دهوك

بقلم: قاسم الجندي.

مقدمة: يعتبر عيد الجما من أبرز الأعياد الدينية في الديانة الإيزيدية، وهو الأكثر ارتباطاً بمعبد لالش المقدس. تتوجه فيه جموع الإيزيديين نحو لالش النوراني لأداء طقوس ومراسيم تمتد سبعة أيام، تحمل في طياتها دلالات روحية واجتماعية وفلكية متشابكة. حين تدخل الشمس إلى برج الميزان، يبدأ مسار كوكب الأرض في قطع النصف الثاني من مدارها حول الشمس. غير أنّ هذا الارتباط الفلكي الدقيق أثار إشكالات جوهرية حول التاريخ الصحيح للعيد، وحول ثباته في التقويم الميلادي بخلاف سائر الأعياد الإيزيدية التي تتفاوت مواعيدها تقدماً وتأخراً. يبدأ عيد الجما الآن بتاريخ 24/9 من شهر أيلول وفق التقويم الشمسي الإيزيدي، الذي يوافق 6/10 في التقويم الميلادي من كل سنة. وعند دخول الشمس إلى برج الميزان، وبالتحديد عندما تقطع الشمس أربع عشرة درجة من برج الميزان في دورتها حول الشمس، يكون عيد الجما مرتبطاً بالحدث الفلكي “الاعتدال الخريفي” في 23/9 من شهر أيلول. وشهر أيلول وفق التقويم الإيزيدي هو الشهر السادس ومنتصف السنة الشمسية الإيزيدية. المعنى اللغوي لكلمة (جم ـ جما) المعنى اللغوي لكلمة “جم ـ جما” في الكردية لا تعني الجماعية ولا تشير إليها من قريب أو بعيد. معناها الأصلي “لعند” أو “إلى عند”، التي تعني الذهاب إلى لالش النوراني وزيارته. وتُلفظ “جما” (جم لالشا نوراني)، وتعني الذهاب إلى لالش النوراني وزيارته في عيد الجما أو (جما شيخادي)، أي الذهاب والتوجه إلى لالش بقصد الزيارة. تحمل كلمة “جما” في طياتها معاني اللمّ والشمل والستر والإصلاح، والترابط بين المشاركين. وكلها معانٍ تتجلى في حضورهم إلى لالش وأدائهم طقوس العيد ومراسيمه. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً في فهم عيد الجما، ربط اسمه بـ”الجماعية”. والحقيقة أنّ هذه الكلمة عربية دخيلة لا تمتّ إلى العيد بصلة، فـ”جما” في الكردية تعني “الذهاب إلى لالش”. أما كلمة الجماعية فهي محرفة من كلمة الجم أو الجما، لأنه عندما تقول عيد الجما أو جمايا هي إشارة حقيقية إلى الكلمة ومعناها، وهي ليست الجماعية، لأن الجماعية كلمة عربية، ومفهوم فكري أو أسلوب عمل منسوب إلى الجماعة وتشير إلى هدف ما، تستخدم لوصف الأنشطة الجماعية التي يتشارك فيها مجموعة من الناس بالتساوي لتحقيق هدف مشترك. وهذا الوصف لا ينطبق مع طقوس ومراسيم عيد الجما. في الميثولوجيا الآرية وفي بعض الدراسات، يُنظر إلى “جم” كتجسيد أرضي للملاك (خوداند) “مهر” (Mithra)، أو كشخصية تحمل خصائص شمسية، مثل دوره في هزيمة الشتاء والبرد (رمز الظلام) وإحلال الدفء والخصب وتجديد الحياة، وهي وظائف مرتبطة بالشمس. تاريخ عيد الجما في التقويم الايزيدي يقع عيد الجما في منتصف السنة الشمسية الإيزيدية، في شهر أيلول وهو الشهر السادس حسب التقويم الشمسي الإيزيدي الذي يتأخر عن التقويم الميلادي بثلاثة عشر يوماً. أي أن عيد الجما يبدأ بتاريخ 24/6 لغاية 30/6 وفق التقويم الشمسي الإيزيدي، الذي يوافق تاريخ 6/10 لغاية 12/10 في التقويم الميلادي. لقد أصبح تاريخ عيد الجما ثابتاً بخلاف سائر الأعياد الإيزيدية. وكان في السابق يقع في شهر تشرين الأول الشمسي الإيزيدي، وكان موعد الجما يتقدم ويتأخر في كل سنة من يوم إلى ستة أيام، بخلاف بسيط مع تاريخه الحالي. إذ إن تاريخ معظم الأعياد في الديانة الإيزيدية يتقدم عن موعده أو يتأخر بمقدار يوم إلى ستة أيام، وليس هناك عيد ثابت في الديانة الإيزيدية باستثناء عيد القربان (قرباني) ومربعانيتي الصيف والشتاء. ويعود سبب هذا التفاوت إلى أن التاريخ المدوّن به الأعياد الإيزيدية هو بتاريخ التقويم الشمسي الإيزيدي، وتاريخ كل الأعياد أو المناسبات ثابت لا يتغير حسب التقويم الشمسي. ولكن تقدّم التقويم الميلادي على التقويم الشمسي بثلاثة عشر يوماً يسبب هذه الاختلافات والفارق، وكذلك عندما تكون الأعياد مرتبطة بيوم محدد. والملاحظ هنا أن تاريخ عيد الجما نجده ثابتاً حسب التقويم الميلادي، وثابتاً أيضاً بالنسبة إلى تاريخ التقويم الشمسي، وهذا غير ممكن وغير جائز، لأن كل الأعياد الإيزيدية لا يتطابق تاريخها المدوّن حسب التاريخ الشمسي مع التاريخ الميلادي. إذاً، فكيف نجد تاريخ الجما ثابتاً في التقويم الميلادي بخلاف كل الأعياد الأخرى؟ معنى ذلك أن تاريخ هذا العيد قد تغير عن موعده الصحيح. هذه الملاحظة تؤكد صحة ما نقول بشأن تحديد التاريخ الصحيح لعيد الجما. تحديد التاريخ الصحيح إن تاريخ عيد الجما يحدده يوم القباغ (كاباغ) والاختلاف بين التاريخين الشمسي والميلادي. ويجب أن تكون طقوس ومراسيم الكاباغ في يوم الأربعاء. ويوم القباغ هو اليوم الخامس من عيد جما، وهو اليوم المقابل ليوم الأربعاء في عيد رأس السنة الإيزيدية (سرسال) في الحساب الفلكي. إن الشمس في عيد الجما تتهيأ للدخول إلى برج الميزان في نهايته، وهي النقطة المقابلة لبرج الثور، وهنا يبدأ الحساب الفلكي وهو القضاء على الثور الأرضي بدلاً من الثور السماوي، لأن الشمس سوف تدخل قريباً إلى البرج المقابل لبرج الثور. وكذلك يحدده يوم (برى شبكى) وهو اليوم السادس، لأن يوم تنصيبه مرتبط بشهر تشرين الأول وفق التقويم الإيزيدي، لأن يوم تنصيب (بري شباكي) يجب أن يكون من شهر تشرين الأول الشمسي، لأن في عرفات يوم الخميس يتم وضع العودين الطويلين المتعلقين بتنصيب (بري شباكي) في أحواض الماء عند العين البيضاء (كانيا سبي)، ويجب أن يشرب هذان العودان ماء تشرين الأول الشمسي. ويتجلى ذلك في حركة (بري شباكي) المحمول على الأكتاف وهم يسيرون بين الجموع المحتشدة في جلسة باب القاب، ووصول التخت إلى حوض الماء الموجود إلى الغرب في حوض (الكلوكي) وهي مياه كانيا سبي، ثم الرجوع به ثانية إلى باب القاب لمرقد الشيخ عادي. وأي تاريخ تأخذه ولأي سنة، نجد أن تاريخ عيد الجما يخالف يوم القباغ (الأربعاء)، ويوم تنصيب برى شباكى (الخميس)، والعيد في يوم الجمعة. وهكذا نرى الاختلاف الواضح في تاريخ وموعد هذا العيد. إذاً، من المفروض أن يتغير تاريخ عيد الجما إلى موعده الصحيح والتاريخ الدقيق له. وأن تاريخ هذا العيد هو في 23/9 من كل عام حسب التاريخ الشمسي، وإذا أُضيف إلى هذا العيد سبعة أيام، سيكون تاريخه في 30/9 وحسب التاريخ الشمسي أيضاً. وعندئذٍ تتفاوت تواريخ هذا العيد مثل كل الأعياد الإيزيدية الأخرى. بهذا التغير سوف يتقدم تاريخ هذا العيد عن تاريخه، أو يتأخر بيوم إلى ستة أيام، عن موعده وتاريخه المدوّن حسب التقويم الشمسي، ليتطابق مع تغير عيد سرسال عن موعده وتأخره أو تقدمه عن موعده وتاريخه الصحيح، لكي يطابق يومي الأربعاء في رأس السنة وأربعاء يوم القباغ، لأن كوكب الأرض في الجانب الآخر يبدأ في حركته التراجعية. العلاقة الفلكية إن لعيد الجما علاقة فلكية دقيقة جداً بعيد رأس السنة (سرسال)، وهي على نفس التشابه والعلاقة الفلكية الدقيقة بين مربعانيتي الصيف والشتاء. وإن الترابط الزمني والفلكي بين هذين المربعانيتين كالعلاقة المناخية والحسابية الدقيقة بين الانقلاب الربيعي (سرسال) والانقلاب الخريفي (عيد الجما)، وكذلك بين الانقلاب الصيفي (مربعانية الصيف) والانقلاب الشتائي (مربعانية الشتاء). ونجد أن عيد رأس السنة الإيزيدية الشمسية (سرسال) حسب التاريخ الشمسي الإيزيدي ـ البابلي في أول أربعاء من شهر نيسان الشمسي. وهي تتفاوت قبل دخول الشمس إلى برج الثور من يوم إلى سبعة (1-6) أيام، وفي سنوات عديدة يأتي تاريخ هذا العيد مطابقاً مع تاريخ دخول الشمس إلى برج الثور في 21/4 من كل عام. أما عيد الجما فيأتي بعد هذا التاريخ بستة أشهر (182.5 يوم). وفي هذا العيد نجد أن كوكب الأرض قد قطع في حركتها المدارية نصف دائرة مدارها حول الشمس، وقد قطع زاوية مستقيمة تساوي 180 درجة. وهذا ما تؤكده وتوثقه طقوس يوم القباغ في يوم الأربعاء، ويقابل يوم الأربعاء لعيد رأس السنة (سرسال) في شهر نيسان في دائرة حركة كوكب الأرض في مدارها حول الشمس، وفي دائرة حركة كوكب الأرض الزمني في دائرة البروج الفلكي. طقوس الذبح والتضحية ويُرتبط بهذا العيد ذبح الثور والتضحية وتقديمه قرباناً لملاك الشمس عند معبد شيخ شمس في لالش. أما (شمش) فهو إله الأديان والمعتقدات القديمة في وادي الرافدين، و(شيشم) هو ملاك الشمس الذي يتوجه إليه الشخص الإيزيدي أثناء دعائه. إن دخول الشمس في عيد الجما إلى برج الميزان وفي نهايته، هي النقطة المقابلة لبرج الثور، وهنا يبدأ الحساب الفلكي وهو القضاء على الثور الأرضي بدلاً من الثور السماوي. وهكذا يتضح أن عيد الجما ليس مجرد مناسبة دينية عابرة، بل هو حدث ذو أبعاد دينية و روحانية ولغوية وتاريخية وفلكية متشابكة، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمعبد لالش النوراني وبعيد رأس السنة الإيزيدية (سرسال). وإن تحديد تاريخه الصحيح يقتضي مراعاة التقويم الشمسي الإيزيدي وتعديله، والاختلاف مع التقويم الميلادي، وكذلك مراعاة الأيام المحددة لطقوسه كيوم القباغ (الأربعاء) ويوم تنصيب برى شباكي (الخميس)، ويوم العيد (الجمعة) ليعود العيد إلى موعده الديني والفلكي الدقيق.

><