سما-دهوك
بقلم: الاستاذ المساعد الدكتور فارس كتي
لا شك أن الدين، بوصفه منظومة عقدية وروحية واجتماعية، أقدم تاريخياً من مفهوم القومية بصيغته الحديثة؛ غير أن أسبقية الدين زمنياً لا تعني بالضرورة فرض الهوية الدينية على الهوية القومية، أو إقصاء إحداهما لصالح الأخرى، كما لا ينبغي أن تكون الهوية مدخلاً لإنتاج هويات جديدة تفرضها اعتبارات سياسية أو مصالح مرحلية.
يشير الكاتب الإيزيدي الدكتور خليل جندي، في كتابه “الدين الإيزيدي”، إلى عمق الجذور التاريخية والفلسفية والعقائدية للإيزيدية، ويربط تطورها بمراحل دينية وحضارية متعاقبة في المنطقة، تمتد من حضارات بلاد الرافدين القديمة وصولاً إلى المراحل التي سبقت ظهور الأديان الإبراهيمية. وهذا الطرح يؤكد عمق التجربة الدينية الإيزيدية وتجذرها التاريخي في المنطقة.
لكن عند الانتقال من الحديث عن الإيزيدية كديانة إلى الحديث عن الإيزيديين كمجتمع وقومية، تظهر مسألة مختلفة تماماً. فالدين لا يحدد بالضرورة القومية، كما أن القومية لا تلغي الخصوصية الدينية. ولهذا نجد عدداً من الباحثين والكتاب الإيزيديين الذين تناولوا الإيزيديين في إطار تاريخهم الاجتماعي والقومي الكوردي، ومنهم الدكتور خليل جندي، الذي يشير في كتاباته إلى الإيزيدية بوصفها من أقدم الديانات الكوردية، مع تفسير عدد من المصطلحات الدينية واللغوية ضمن هذا السياق.
إن القول بأن الإيزيديين جزء أصيل من شعوب المنطقة، وأن لهم جذوراً تاريخية عميقة في جغرافية زاكروس وما يعرف اليوم بكوردستان كما يشير البدليسي في الشرفنامة، لا ينتقص بأي شكل من الأشكال من خصوصيتهم الدينية. فالهوية الدينية والهوية القومية يمكن أن تتعايشا دون تناقض؛ إذ إن الانتماء الديني يعبّر عن منظومة العقيدة والطقوس والمرجعيات الروحية، بينما تعبّر القومية عن الانتماء التاريخي واللغوي والثقافي والجغرافي.
وقد تناول عدد من الباحثين الإيزيديين هذه المسألة من زوايا مختلفة. فالباحث هوشنك بروكا، في كتابه “لغز طاووس ملك”، يتناول الإيزيدية باعتبارها واحدة من أقدم الديانات الكوردية، كما ذهب كتاب وباحثون إيزيديون آخرون، من بينهم بير خدر سليمان وعزالدين باقسري، إلى تأكيد الصلة التاريخية والثقافية بين الإيزيديين والمجال الكوردي، استناداً إلى قراءات ومصادر تاريخية ولغوية واجتماعية متعددة.
أما الإشكالية الأكثر حساسية اليوم، فهي عندما تنتقل مسألة الهوية من مجال البحث التاريخي والاجتماعي إلى المجال السياسي.
فالنظام السياسي العراقي القائم على المحاصصة، وما ارتبط به من توزيع للتمثيل السياسي والإداري على أساس المكونات والهويات، جعل مسألة الهوية ذات أهمية سياسية مباشرة. وفي مثل هذا السياق، قد تصبح الحاجة إلى تعريف المكونات وتصنيفها سياسياً عاملاً مؤثراً في إنتاج الخطاب حول الهوية، وربما في إعادة تعريفها بما يتلاءم مع مقتضيات التمثيل السياسي.
وهنا تكمن الخطورة: عندما تتحول الهوية من تعبير طبيعي عن تاريخ المجتمع وثقافته ولغته وذاكرته، إلى وسيلة للحصول على استحقاق سياسي، فإنها قد تصبح موضوعاً للتنافس السياسي بدلاً من أن تكون تعبيراً عن حقيقة اجتماعية وثقافية.
لذلك، فإن التعامل مع الإيزيديين ينبغي أن ينطلق أولاً من الاعتراف بخصوصيتهم الدينية والثقافية والتاريخية، وبما تعرضوا له من اضطهاد وإبادات وتهميش، ومن حقهم في المشاركة الفاعلة في مختلف مؤسسات الدولة ومفاصلها، بعيداً عن أي محاولة لفرض تعريف مسبق لهويتهم لخدمة مشروع سياسي معين.
فالهوية لا ينبغي أن تُفرض، ولا أن تُصاغ وفق رغبات أفراد أو مصالح سياسية آنية. والأجدر أن يُترك للمجتمع نفسه، عبر تاريخه وذاكرته ولغته وثقافته وموروثه الديني والاجتماعي، أن يعبّر عن هوياته المتعددة ويحدد العلاقة بينها.
وفي النهاية، فإن احترام الإيزيديين لا يكون بفرض هوية عليهم، بل باحترام حقهم و في ضمان مشاركتهم السياسية والمدنية على أساس المواطنة والحقوق، لا على أساس إعادة تشكيل هويتهم بما يتناسب مع متطلبات المحاصصة السياسية.
