شنگال كوردستانية الروح وأزلية الإنتماء
د.خالدة خليل
إنّ الأجندات المرحلية مهما بلغت من تأثير ، والمؤامرات مهما نسجت من مآرب ، لن تستطيع أن تمحي تاريخ شنگال أو تقطع جذورها الممتدة عميقاً في ارض كوردستان .
وتتجسد هذه الحقيقة في سؤال منطقي يرد إلى الأذهان بإستمرار :
لو لم تكن شنگال كوردستانية ، لماذا سعت إذاً كل الأنظمة المتعاقبة وبكل جبروتها إلى تغيير معالمها القومية ؟!
إن اقرب الشواهد وأكثرها دلالة في التاريخ المعاصر هي حملات التعريب الممنهج والتغيير الديمغرافي التي شنها النظام البائد ضد أهالي شنگال . فهل كانت هذه الإجراءات إدارية بحتة أم أن النظام كان على يقين بكوردستانية هذه المناطق لأن الكورد يشكلون الغالبية السكانية فيها ؟!
لقد عملت الأنظمة السابقة على افراغ القرى من ساكنيها الأصليين ، ودمرت البنى الإجتماعية بعد أن قامت بتجريف مئات القرى الكوردية وخاصة الايزيدية في جبل شنگال ومحيطه .
ثم سعت إلى تجميعهم في مجمعات قسرية مثل مجمع بورك ودهولا وسنوني لإبعادهم عن أراضيهم ، وسهولة السيطرة الأمنية عليهم لأنها كانت تعلم يقيناً أن ثوارها الكوردستانيون يبحثون عن حقوقهم ويدافعون عن قضيتهم الكوردية ، حيث كان جبل شنگال مسانداً لجبال كوردستان على الدوام .
تم توطين عوائل واشخاص وقبائل من خارج المنطقة فيها ، وعملوا على تغيير اسمائها الكوردية إلى العربية مثل : خانصور التي سميت بالتأميم ، وسنوني بالشمال ، ودوگري بحطين ، دهولا بالقادسية ، وگوهبل بالأندلس ، وزوراڤا بالعروبة ، وكرزرك بالعدنانية ، وسيبا شيخ خدري بالجزيرة .
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تلاعبوا بالسجلات المدنية لأهالي شنگال من أجل تغيير قوميتهم في أوراقهم الثبوتية .
وقد أشار تقرير منظمة حقوق الإنسان الصادر في آب 2004 إلى ممارسات النظام العراقي السابق، واستمرار عمليات التغيير الديمغرافي حتى بعد التحول السياسي الذي شهدته البلاد عام 2003. إن مثل هذه التقارير والوثائق ينبغي التوقف عندها ودراستها بجدية .
فبدلاً من معالجة آثار الماضي والسياسات السابقة في التغيير الديمغرافي ، وإعادة الحقوق إلى أصحابها، استمرت ممارسات فرض أجندات عدّة، وتحت مسميات مختلفة، الأمر الذي عطّل هذا الملف وأبقاه دون معالجات جذرية حقيقية ، حيث بقيت النصوص الدستورية وفي مقدمتها المادة 140 من الدستور ، والتى تعنى بتطبيع الأوضاع وإعادة الحقوق إلى أهلها ، معلقة تنتظر التطبيق ، وكأن الأنظمة المتعاقبة تكمل بعضها بعضاً في الإقصاء والتهميش ، وتواصل التلاعب بالتركيبة السكانية لتلك المناطق ، مما جعل شنگال ضحية للتسويف السياسي وعرضة لمحاولات سلب هويتها .
إن هذه السياسات هي دليل دامغ لا يقبل الشك بأن السلطات لاتستهدف سوى تلك المناطق الكوردستانية التي تشكل عمقاً قومياً وثقافياً ، إذ لو كانت شنگال ذات هوية اخرى لما احتاجت الأنظمة المتعاقبة لتسخير كل امكانياتها لطمس معالم شنگال وتغيير هويتها أساساً !
شنگال هي لوحة فسيفساء تضم كل المكونات من قوميات واديان ، وفي مقدمتهم الكورد الايزيديون ، الذين يمثلون الركن الأساس والأصيل والعمق الجوهري للثقافة الكوردية وهويتها الأصلية ، إلى جانب المكونات الأخرى في المنطقة .
وبالرغم من كل محاولات التشتيت والسياسات المضللة وآخرها دخول تنظيم داعش الإرهابي وما رافقه من قتل وسبي وترويع للإيزيديين يندى له جبين البشرية ، اضافة إلى استهداف مكونات شنگال لتمزيق نسيجها الإجتماعي ، بقيت اللغة الكوردية هي الركيزة الأساسية والرباط الجامع لأبناء تلك المنطقة بمختلف مكوناتهم ، وأمام قوة هذا الرابط الثقافي واللغوي ، اتخذت الأجندات التي كان هدفها تفكيك هوية المجتمع الشنگالي طابعاً آخر يتمثل في استهداف هوية أبناء المكون الإيزيدي في محاولة للمساس بخصوصيته التاريخية والثقافية والنيل منها .
لقد دفعت شنگال أثماناً باهضة بسبب النزاعات الاقليمية والدولية التي جعلتها بؤرة للتوتر والصراع ، وما جريمة الابادة الجماعية التي ارتكبها داعش بحق الإيزيديين في الثالث من آب 2014 الإ جزءاً من مسلسل الاستهداف لهذه الأرض وخصوصيتها ، ولم يقتصر هذا الاستهداف على الإنسان فحسب ، بل طال إنتماءه وهويته الدينية والثقافية ، وجميع الروابط التي جمعت ابناء شنگال وفي مقدمتها اللغة ليس باعتبارها أداة توصيل فحسب ، بل عنواناً للهوية المجتمعية للمنطقة ولا سيما المكون الإيزيدي .
ولا شك أن الإختلاف في الرأي في الانتماءات السياسية حق مشروع ، الإ أن تحويل هذا الخلاف إلى وسيلة لضرب الهوية القومية والثقافية والتاريخية لشنگال أو التشكيك في هوية أحد مكوناتها من الإيزيديين ، أو إثارة الانقسامات والفتن بين أبنائها ، ومثل هذه الممارسات لن يخدم ابناء المنطقة بجميع مكوناتها ، بل ستعمد إلى اضعاف نسيجها الاجتماعي ، وإبعادهم عن المصالح المشتركة التي تجمعهم .
ومن المؤسف أن نرى اليوم أن بعض الأشخاص ينجرون وراء تلك الأجندات الإقليمية أو المحلية ، ويضعون حساباتهم ومصالحهم الشخصية فوق مصلحة شنگال واستقرارها وأمنها ، إلى حد المساومة على أصالة مكوناتهم وانتماءاتهم الأصلية ، بل والانكى من ذلك كله هو سعيهم لتكريس واقع يتنكر للحقائق التاريخية ، وكأن التاريخ يعاد كتابته بسهولة وفقاً لمصالحهم وصفقاتهم السياسية ، متناسين أن آثار التعريب ومآسي التهجير مازالت تنبض في ذاكرة ابناء شنگال بمختلف مكوناتها ، وأن ماخلفته تلك المآسي من جراح لا يمكن طمسه أو إزالته أو المساومة عليه !
يقيناً ستبقى الحقيقة أعمق من أن تغيرها تصريحات مغرضة ، لأن التاريخ لا تغيره الإدعاءات ، والهوية لا تُختزل في منشورات ، وجذور الشعوب لا تُقتلع بالأهواء والأمزجة .
فشنگال هي إمتداد أصيل لكوردستان بتاريخها وثقافتها وجغرافيتها وتضحيات أبنائها .
وكل ما نطمح اليه هو أن تنعم شنگال بالإستقرار والأمان بعيداً عن الصراعات والتجاذبات التي أثقلت كاهلها ، ومزقت نسيجها الإجتماعي ، وكانت السبب في نزوح وهجرة أهلها . ونريد لها أن تستعيد عافيتها من خلال الإعمار والبناء ، وإنهاء جميع المظاهر المسلحة، وعودة أهلها النازحين إلى أرضهم وبيوتهم بكرامة وطمأنينة .
شنگال أكبر من أن تختزلها اسماء أشخاص معينين مهما كانت مكانتهم ، لأنهم يرحلون وتبقى شنگال بهويتها وثقافتها وانتمائها الأصيل .
وشنگال أسمى من ان تتنازعها المصالح السياسية الضيقة ، لأنها أعمق من أن تعبث بهويتها المشاريع والأجندات السياسية المرحلية .
ستبقى شنگال وفيّة لذاكرتها وتاريخها، وأصالتها ، وانتمائها، وهويتها ، وستبقى دماء شهدائها أمانة في أعناق الأحياء ، ومسؤولية لا تسقط بالتقادم الزمني ، وتضحيات أبنائها حاضرة في الضمائر ، لا تمحيها الأيام ، ولا تغير من مكانتها تقلبات الظروف وتجاذبات المصالح الآنية .
