سیما تیڤی

الفلسفة في البرلمان العراقي: عن الحرية بوصفها مولداً كهربائياً

 

 

سرمد سليم

بعد عقدين من التجريب السياسي، يمكن القول إن العراق قد أرسى مدرسة جديدة في الفكر السياسي: مدرسة الانتظار الكهربائي. فالحرية لم تعد مفهوماً مجرداً، كما تصورها جون ستيوارت ميل، بل تحولت إلى تيار متقطع، يأتي في ساعات محدودة ثم يختفي في ظلام أيديولوجي رحيم. وتماماً كما يقيس هيغل التاريخ بصعود الروح المطلق، صار العراقيون يقيسون الديمقراطية بعد “الأمبيرات”.

منذ 2003، وعدت الحكومات المتعاقبة بتجذير القيم الدستورية. وبالفعل، نجحت: لا يكاد دستور في العالم يعرف عدداً من التفسيرات المتناقضة مثلما هو حال الدستور العراقي. فكل حزب يرى فيه مرآة لرغباته: البعض يقرأ فيه الحق الإلهي للطائفة، وآخرون يرونه ميثاقاً لتوزيع الوزارات كما توزع صواني الدولمة في وليمة انتخابية. والليبرالية هنا ليست مبدأً بقدر ما هي سلم معدني للوصول إلى الطابق الوزاري المطلوب.

لقد أعاد العراق تعريف مفهوم “المعارضة”. في الديمقراطيات التقليدية، المعارضة تحاسب الحكومة. أما في بغداد، فالمعارضة تشكل داخل الحكومة نفسها. إنها معارضة أفقية، تعمل من مكاتب مكيفة، وتصدر بيانات حادة ضد الوزير الذي يشاركها نفس الطاولة. بهذا الإنجاز الفلسفي، لم يعد المواطن بحاجة إلى صحافة حرة، إذ يكفيه أن يتابع بيانات الحكومة لتكتشف الحكومة أخطاءها بنفسها.

أما عن مكافحة الفساد، فالأمر أكثر عمقاً. لقد أدركت الدولة أن الفساد ليس مجرد انحراف إداري، بل هو بنية تحتية ثقافية. لذلك جرى “دمقرطة” الفساد، بحيث يحصل الجميع على حصته العادلة: الوزير، المقاول، موظف الكشوفات، وحتى المواطن البسيط الذي يتقاضى رشوة صغيرة لتسيير معاملة. إنها العدالة في أبهى صورها- توزيع متساوٍ للامتيازات غير المشروعة. جون رولز نفسه، لو عاش في بغداد، كان سيعيد صياغة “نظرية العدالة” لتصبح “نظرية العمولة”.

والهوية الوطنية؟ هنا نجد أعلى مستويات الجدل الفلسفي. فالعراقي لا يعرف إن كان هويته تابعة للعشيرة أم للطائفة أم للمرجعية أم للدولة. هذه التعددية في جوهرها ما بعد حداثية: لا هوية واحدة بل نص متشظٍ يتبدل حسب الولاء وموسم الانتخابات. وكما قال نيتشه إن ” الحقيقة وهم نسيَ الإنسان أنه وهم”، هنا يمكن القول إن الوطنية في العراق وهمٌ جماعي متفق عليه فقط أثناء مباريات كرة القدم.

قد يظن البعض أن الكوميديا في العراق فن ثانوي، لكنها في الواقع بنية حكم. البرلمان نفسه يعمل كخشبة مسرح، حيث يطلق النواب نكاتاً قاتلة لا تضحك أحداً، ومع ذلك تثير عاصفة من التصفيق. إننا أمام “كوميديا سلطوية” تتفوق على من أرسطوفان وبيكيت معاً: مسرحية بلا حبكة، بلا بطل، بلا نهاية.

وأخيراً، يبقى السؤال الفلسفي الأهم: هل يسير العراق نحو التقدم أم نحو الهاوية؟ الجواب هو أن العراق اخترع طريقاً ثالثاً: المراوحة الأبدية. فلا هو يتقدم ولا يسقط تماماً، بل يبقى عالقاً في اللحظة، كما لو أن زر “البوز” قد عُلق على شريط الزمن الوطني.

هكذا يبرهن العراق على عبقريته: إن السياسة عنده ليست فن إدارة الممكن، بل فن تحويل المستحيل إلى برنامج حكومي.

 

ملاحظة:يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي Sema Tv  عربية.

><