الدكتور سعيد خديده السنجاري
اثنا عشر عاماً مرّت على الثالث من آب ٢٠١٤، لكن بعض الأيام لا تمرّ، تبقى عالقة في الذاكرة، كأن الزمن نفسه عجز عن عبورها.
في ذلك الصباح، لم تكن كوجو قريةً فقط؛ كانت بيتاً عراقياً أُغلق بابه على أهلها، ثم فُتح على واحدة من أبشع صفحات الإبادة الجماعية بحق الإيزيديين.
وفي كوجو، كما في كر عزير وسيبا شيخدري، وفي سنجار وكل مكانٍ وصلت إليه يد الإرهاب، سُلبت أرواح، وخُطفت نساء وأطفال، وتفرقت عائلات، وتحولت البيوت إلى ذاكرة، والطرقات إلى انتظار، والأسماء إلى قبور تبحث عن أصحابها.
نحن أصبحنا، كما لو أن الريح حملتنا بعيداً عن بعضنا، طشّاري في أصقاع الأرض؛ واحدٌ في دهوك، وآخر في ألمانيا، وثالث في كندا، والرابع في استراليا والخامس ما زال ينتظر عودة عزيزٍ غاب منذ اثني عشر عاماً.
لكن شيئاً واحداً لم يتشتت: الذاكرة.
هذه الذاكرة جزء من هويتي، لكنني حين أتحدث عن الإبادة لا أتحدث عن وجع مكوّنٍ واحد فقط؛ أتحدث عن الإنسان الذي ذاق الموت والخوف والتهجير والفقد، وعن كل أمّ ما زالت تنتظر، وكل أبٍ فقد ابنه، وكل طفلٍ كبر وهو يحمل في قلبه سؤالاً لا جواب له.
كما أؤمن أن وظيفة الذاكرة ليست أن تورث الكراهية، بل أن تمنع تكرار الجريمة؛ وأن حقوق الإنسان لا تتجزأ، وأن دماء الضحايا لا تحتاج إلى طائفة، دين أو قومية كي تكون مقدسة.
نستذكر اليوم ضحايا الإبادة الجماعية الإيزيدية، ونستذكر معهم جميع ضحايا العراق، مسلمين ومسيحيين وإيزيديين وشبكاً وكاكائيين وكرداً وعرباً وتركماناً، وكل إنسان دفع ثمن العنف من حياته أو بيته أو أحبته.
كوجو ليست قريةً من الماضي
وكر عزير ليست اسماً في كتاب
وسيبا شيخدري ليست مجرد مكان
إنها أسماءٌ لأرواحٍ ما زالت تطلب منّا شيئاً واحداً: ألا ننسى.
اثنا عشر عاماً…
وما زالت هناك عائلات تنتظر أبناءها.
وما زالت هناك قبور لم تجد أسماءها.
وما زالت هناك ذاكرة ترفض أن تتحول إلى هامش.
لن ننسى، لا من أجل الانتقام،
بل من أجل العدالة.
لا من أجل الكراهية،
بل من أجل أن يبقى الإنسان إنساناً.
رحم الله جميع ضحايا الإبادة الجماعية الإيزيدية، وجميع الشهداء، وأنصف الناجين، وردّ الغائبين إلى أهلهم، وأعاد إلى وطننا ما تشتّت منه.
فالأوطان لا تُبنى بالنسيان…
بل بالعدالة، والاعتراف، وحفظ الذاكرة.
