سیما تیڤی

حكايات من شنكال

سما_دهوك

 

بقلم: مراد سليمان علو

أولا: حسنا إنها سنجار:
حسنا، وكما يبدأ بعض الأجانب حديثهم التافه عادة:
(حسنا) إنها سنجار، أو سمّها شنكال إن شئت.. المدينة التي لها أسماء أكثر من أسماء الاله مردوخ نفسه. هل نعدّ معا أسماؤها؟ هل تريد أن نبحث في كتب التاريخ، والمصادر. أو نسأل العّم جوجل عن أسماؤها كما يفعل بعض أولئك الكتاب والباحثين النصّ ردن.
طبع، لن نفعل. يكفي إنها سنجار، وأنت فيها.
بشأن الناس في الشوارع والأسواق، لن يزعجوك بالسؤال عن الاتجاهات والأماكن، إنها مدينة صغيرة تشبه كرة تنس الطاولة من بين كل الكرات التي اخترعها الإنسان وابتكر أشكالها وطريقة لعبها.
سلام من هذا، وابتسامة من ذاك، وقد تحسبها ثرثرة لن تنتهي. ولكن لن يزعجك أحدهم ويوقفك ليخبرك إن اللبن الذي تشتريه صباحا من دكان رشو، كان أفضل منه أيام زمان في دكان محمد المصلاوي الذي كان دكانه قرب المنارة الأثرية الذهبية التي فجرها الدواعش.
لن تجد الكثير من الأشياء في هذه المدينة، لا ناطحات سحاب، ولا علامات عبور المشاة، لا مسارح ولا دور سينما، ولا حتى مولات أو أسواق مركزية. وكأنها لم تلتحق بعد بزميلاتها من المدن في القرن الحالي. طبعا البعض لا يطيقون هذه الفروقات باستثناء شخص مثلي، وربماّ معتوه مثلك يجد إن مدرسة سنجار الأبتدائية الثانية للبنين هي أفضل مكان تقضي فيه دراستك الأبتدائية باللغة العربية الممزوجة باللهجة السنجارية ـ المصلاوية. في كل العراق.
وإن حاول أحدهم أن يتذمر، عليّ أن اصرخ في وجهه وأقول له:
“ألا يكفيك أنك في سنجار!”.
حكماء سنجار يقولون: هناك شيء في سنجار ستحبه، لو صعدت الجبل وتأملت المدينة في الليل مع الأضواء القليلة الخافتة التي تومض بخجل، لابد إنك ستقول حينها، يا لها من مدينة وادعة جميلة في حضن الليل وكأنها تروي حكايتها للنجوم البعيدة.
حكماء سنجار الأوائل يأملون أن يقوم أحدهم بذلك. وإن كنت أنت من سيقوم بذلك، فتأكد أن البقية سينشغلون بهواتفهم الذكية، وهنا يجب أن أؤكد إن كلام الحكماء كان دقيقا.
لا تهتم إن قرأ الناس أفكارك. فلقد تلتقي ببعض من يدعون إنهم أقاربك ـ لا يهم درجة القرابة ـ فمن التفاؤل أن يحدثوك عن ملابسك بدلا عن الطقس، وسيتجنبوك سريعا؛ لأنهم يعتقدون جازمين إنك تقرأ الأفكار مثلهم. لا تشغل بالك بهؤلاء كثيرا فهم من نتاج زواج الأقارب.
وفي بداية العصرية الأولى لك في سنجار وأنت تتجاذب أطراف الحديث مع الشخص الجالس جنبك في إحدى كازينوهات المدينة ستسأله:
“ما الذي يبقيك في سنجار؟”.
ــ حسنا، إلى أين زاوية من الجحيم تقترح أن أذهب؟
ــ لا أدري فأنا لم أغادر سنجار قط.
والآن، دعك منه ومن هيئته، أو حديثه، فهذا مجرد أختلاف ثقافات. والأمور التي تريد لها أن تتغير، لن تتغير بمجرد أن تتذمر عليها أو منها، كسرقة طوب رمضان الأثري، وتدمير كنيسة العذراء، ومنع الأيزيديين من بناء مزار ديني داخل القصبة. ولكنهم أحرار في بيع ما طاب لهم من أنواع الخمور.
لا يمكن التفكير بمهنة مملة أكثر من التصوير الفوتوغرافي في هذه المدينة، ومصور فوتوغرافي يتحدث طول الوقت عن تصاويره، وعن معارضه التي يقيمها عن الفرمان. وفي اليوم الأول منه هرب وترك كامرته في البيت ليستولي عليها الغزاة، دون أن يلتقط صورة واحدة طوال الأسبوع الأول من الفرمان.
من الواضح هذا حال جميع الفوتوغرافيين في سنجار. يتحدث الآخرون عن إنجازاتهم، أمّا في سنجار فهؤلاء يشتكون من فرصتهم الضائعة.
شنكال ليست مملة أبدا، بمعنى آخر لو أردت الذهاب إلى مكان ما خارج المدينة، ليس عليك أن تنتظر سيارات التاكسي، أو حافلة ما ـ حتى لو كانت من نوع الكوستر ـ بل عليك أن تذهب بنفسك سيرا على الأقدام لتعثر على وسيلة نقل توصلك إلى المكان المقصود، وبدلا من دعاء الركوب، تحمد الله إن المدينة قد تجاوزت الحداثة بمراحل. ولن تقلق من أن يسرق أحدهم شيئا من حقيبتك أو حتى يحملها سهوا بقضها وقضيضها ويرحل دون أن يلتفت أو يبتسم، فلم نعد في سنوات التسعينيات وحاجة التسعينات.
نعم، إذا كنت في سنجار فأنت شخص يعتقد بأن لا شيء سيء سيحدث لك، مما يجعل مخيلتك تصطف إلى جانب أحلامك بأن المدينة تعيش عمرها المابعد حداثوي بدليل إنك تركت فكرة سفرك في جيب بناطلك الخلفي تقليدا ببوكوفسكي. وستبتسم في المساء لأن العشرات يقتلون بدم بارد لمجرد خروجهم من المدينة المقدسة.
الجواب الوحيد الذي يمكن أن تحصل عليه في نهاية يومك هو:
لا تنسى هنالك أشخاص آخرون في المدينة!
حينها ستدرك بأنه عليك أن تدع البعض يصطدمون بك عن قصد وترصد. رغم ندرة المارة في الشوارع والأسواق، والمحلات.
ماذا تظن، فبالتالي إنها شنكال.

><