سما_دهوك
بقلم: د. ممو عثمان
تتميز الديانة الإيزيدية بجذور عقائدية وتاريخية متعددة، تبلورت ملامحها تدريجيًا في البيئة الكوردستانية عبر مراحل تاريخية متعاقبة. ومن منظور الموروث الإيزيدي، فإن أتباع هذه الديانة ارتبطوا تاريخيًا بجبال كوردستان ومناطقها، ولم تكن نشأتهم نتيجة هجرات حديثة من مناطق أخرى. وقد مرت منظومة الاعتقاد والعبادة الإيزيدية بتحولات وتفاعلات تاريخية وفكرية متعددة، شملت تصورات الإنسان والكون والمصير بعد الموت، وانتقلت، وفق قراءة تاريخية للموروث الديني، من أنماط مبكرة من تقديس مظاهر الطبيعة إلى تصور أكثر وضوحًا للتوحيد.
الشيخ عدي بن مسافر والتحول التاريخي:
يمثل حضور الشيخ عدي بن مسافر (1070–1162) في لالش محطة تاريخية مهمة في تطور المجتمع الإيزيدي ومنظومته الدينية. فقد أصبحت شخصيته، بعد وفاته، وميراثه الروحي محورًا أساسيًا في التحولات التي شهدها المجتمع الإيزيدي، ولا سيما من خلال أفكار وممارسات تبلورت لدى أتباعه وأفراد أسرته والدوائر الدينية المرتبطة بهم. وقد أسهمت هذه المرحلة في إعادة تنظيم المجتمع الإيزيدي دينيًا واجتماعيًا، وفي إدخال أنماط من التنظيم الروحي التي أصبحت لاحقًا جزءًا من البنية الدينية والاجتماعية للمجتمع. واستمر تأثير هذه التحولات خلال القرون اللاحقة، وتداخلت مع التطورات السياسية التي شهدتها المنطقة، ولا سيما بعد معركة جالديران عام 1514، وما رافقها من تحولات في السلطة والنفوذ المحليين. وفي هذا السياق، برز حسين بك الداسني بوصفه شخصية سياسية مهمة في التاريخ الإيزيدي، مع الإشارة إلى أنه لا ينتمي إلى سلالة الشيخ عدي بن مسافر. وقد ارتبطت هذه المرحلة بانتقال جزء من الحضور الإيزيدي من المجال الديني والاجتماعي إلى المجال السياسي، حيث استمر النفوذ السياسي للإمارة الإيزيدية في المنطقة حتى مراحل متأخرة من العهد العثماني، وبقي حضورهم كأمراء الإيزيديين قائمة إلى العصر الحديث.
التأثير الصوفي في البيئة الإيزيدية:
أدى حضور الشيخ عدي وأتباعه في لالش إلى تفاعل البيئة الإيزيدية مع بعض الأشكال التنظيمية والروحية التي كانت شائعة في الأوساط الصوفية آنذاك، ومنها علاقة الشيخ بالمريد، والجماعة الروحية، وزيارة المزارات، والطقوس المرتبطة بالأولياء والشخصيات الدينية. كما دخلت إلى التراث الإيزيدي مجموعة من المصطلحات ذات الأصول الإسلامية والصوفية، إلا أن بعض هذه المصطلحات اكتسب دلالات ووظائف خاصة داخل السياق الديني الإيزيدي، بحيث لا يمكن افتراض تطابق معناها في البيئتين الإيزيدية والصوفية.
ويظهر هذا التداخل بصورة واضحة في التراث الإيزيدي الشفهي، ولا سيما في الأقوال والقصائد الدينية المعروفة بـ«الاقوال»، مثل قول ماكي، وقول فروارة محمد، وقول ملك شيخ سن، ودعاء المائدة. فقد تبلورت أجزاء من هذا التراث في بيئة ثقافية كانت فيها اللغة والمفاهيم الإسلامية والصوفية حاضرة بقوة، ولذلك تظهر في بعض النصوص إشارات ومفردات تتقاطع مع التراث الصوفي الإسلامي، إلى جانب عناصر دينية أقدم ومتجذرة في الموروث الإيزيدي. ومن بين الشخصيات الصوفية التي يمكن ملاحظة حضورها في المقارنات والدراسات المتعلقة بهذا التداخل: رابعة العدوية، والحسن البصري، والجنيد البغدادي، والحسين بن منصور الحلاج، والشيخ عبد القادر الكيلاني. غير أن وجود التشابهات والمفردات المشتركة لا يعني بالضرورة أن التصورات الإيزيدية مستمدة بصورة مباشرة من التصوف الإسلامي؛ إذ ينبغي التمييز بين التأثير الثقافي اللاحق وبين البنية الدينية الأصلية للمعتقد الإيزيدي.
مفهوم وحدة الوجود الإلهي والتجلي :
تُعد مسألة «وحدة الوجود» من الموضوعات التي تستحق دراسة معمقة في الفكر الديني الإيزيدي، ولا سيما عند بحث العلاقة بين الله والكون والإنسان والطبيعة. فقد أدت بعض أوجه التفاعل مع التصوف الإسلامي إلى ظهور تصورات يمكن مقارنتها بمفهوم التجلي الإلهي، أي ظهور الحقيقة الإلهية في العالم أو في الإنسان الكامل. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى التصورات المرتبطة بشخصيات مثل الشيخ عدي، وإلى بعض الروايات التي تربط تجلي روح النبي محمد وشخصيات دينية في الموروث الإيزيدي، ومنها شمس الدين أبو محمد الحسن، ابن الشيخ عدي الثاني، بحسب بعض الروايات الشفوية. وقد فُسرت هذه التصورات أحيانًا في الأدبيات المقارنة من خلال مفاهيم صوفية مثل التجلي والحلول.
غير أن استخدام مفهوم «الحلول» لوصف التصور الإيزيدي يحتاج إلى قدر كبير من الحذر المنهجي؛ إذ إن القول بالتجلي الإلهي لا يعني بالضرورة القول بأن الله يحل في الإنسان أو أن الإنسان يصبح هو الله. فهذه المفاهيم تنتمي إلى سياقات فلسفية ولاهوتية مختلفة، ولا ينبغي إسقاط أحدها بصورة مباشرة على الآخر من دون دراسة النصوص والمصطلحات الإيزيدية في سياقها الخاص. ومن هنا يمكن طرح فرضية مفادها أن التصور الإيزيدي للعلاقة بين الله والكون والطبيعة لا يمكن اختزاله في النموذج الصوفي الإسلامي لوحدة الوجود، بل ينبغي البحث في جذوره الداخلية وفي تطوره التاريخي قبل وبعد وصول الإسلام والتصوف إلى المنطقة.
الطبيعة والنور في التصور الديني الإيزيدي:
تحتل مظاهر الطبيعة مكانة بارزة في الممارسات والرموز الدينية الإيزيدية. فالشمس، على سبيل المثال، تحظى بمكانة روحية ورمزية مهمة، ويرتبط بها مفهوم النور والحياة والخير. ويتجه الإيزيديون نحو الشمس في الممارسات الدينية، بما يعكس مكانتها الرمزية في الوعي الديني. كما تحتل النار مكانة رمزية، وترتبط بالنور والطهارة، ولها حضور في عدد من الطقوس والممارسات الدينية. ويضاف إلى ذلك الماء والأرض وسائر عناصر الطبيعة، التي ترتبط بمفهوم الخلق والحياة والاستمرار. ولا تقتصر العلاقة بالطبيعة على الرموز الدينية، بل تظهر أيضًا في إقامة العديد من المناسبات والطقوس في فضاءات طبيعية، فضلًا عن حضور الفصول والظواهر الطبيعية في الموروث الشفهي والديني الإيزيدي.
ومن ثم، يمكن القول إن الكون والنور والحياة تشكل عناصر أساسية في التصور الإيزيدي للخلق. وهذا يدفع إلى التساؤل حول طبيعة العلاقة بين الإله والطبيعة في الموروث الإيزيدي القديم: هل تمثل الطبيعة ذاتها حقيقة إلهية؟ أم أنها مظهر من مظاهر الخلق الإلهي؟ أم أن العلاقة بينهما تقوم على مفهوم أكثر تعقيدًا لا يمكن اختزاله في التصنيفات الفلسفية التقليدية مثل «وحدة الوجود» أو «وحدة الله والطبيعة»؟
إشكالية الدراسات المبكرة حول الإيزيدية:
واجه الباحثون الأوائل الذين تناولوا الديانة الإيزيدية إشكالية منهجية أساسية تمثلت في محدودية المصادر المكتوبة والمنهجية المتعلقة بالمعتقد الإيزيدي. فقد اعتمد جانب كبير من الدراسات المبكرة على الروايات الشفوية التي نقلها رجال الدين الإيزيديون، ثم قام الباحثون بتفسيرها ومقارنتها ضمن الأطر الفكرية والدينية التي كانت متاحة لهم في عصرهم.
وفي هذا السياق، جرى في كثير من الأحيان تفسير بعض المفاهيم الإيزيدية من خلال مفاهيم التصوف الإسلامي، ولا سيما مفهوم «الإنسان الكامل» والتجلي الإلهي، وربط هذه المفاهيم بشخصيات مثل الشيخ عدي والشيخ حسن. وقد ساعد هذا المنهج في إظهار بعض أوجه التشابه والتفاعل الثقافي بين الإيزيدية والتصوف الإسلامي، لكنه قد يؤدي، في الوقت نفسه، إلى إغفال الخصوصية التاريخية والدينية للموروث الإيزيدي. وعليه، فإن من أبرز الإشكالات المنهجية في دراسة الإيزيدية ضرورة تجنب تفسير جميع المفاهيم الإيزيدية من خلال منظومات دينية وفلسفية خارجية، سواء كانت إسلامية أو صوفية أو غيرها. فالتشابه بين مفهومين لا يعني بالضرورة وحدة المصدر أو التطابق في المعنى.
نحو قراءة مستقلة لمفهوم وحدة الوجود الإيزيدي:
تُظهر دراسة التراث الإيزيدي وجود تداخل واضح بين عناصر دينية قديمة ومؤثرات إسلامية وصوفية لاحقة. غير أن هذا التداخل لا يلغي إمكانية وجود تصور إيزيدي خاص للعلاقة بين الله والكون والطبيعة. فالمعتقد الإيزيدي يقوم على الإيمان بإله واحد وخالق للوجود، في حين تتضمن المنظومة الدينية الإيزيدية تصورات خاصة بالملائكة والنظام الروحي وقصة الخلق وآدم وإبليس، وهي عناصر تطورت وتبلورت في مراحل تاريخية مختلفة. وقد أدى حضور هذه العناصر الجديدة إلى إعادة صياغة جزء من الموروث الديني الأقدم ودمجه ضمن منظومة عقائدية أكثر تركيبًا.
ومن هذه الزاوية، يمكن افتراض أن التصور الإيزيدي القديم للعالم لم يكن قائمًا أساسًا على فكرة تجلي الله في الإنسان، بالمعنى الذي ظهر في بعض التفسيرات الصوفية، وإنما كان أقرب إلى تصور يرى الكون والطبيعة ضمن وحدة كونية ترتبط بالخالق وبنظام الخلق. وعلى هذا الأساس، فإن مفهوم «وحدة الوجود» في السياق الإيزيدي قد يحتاج إلى تعريف مستقل ينطلق من الارث التاريخي قبل قدوم الاسلام الى المنطقة، بدل إخضاعه مسبقًا للتعريفات الفلسفية الإسلامية أو الصوفية. وبذلك يمكن الانتقال من مرحلة تفسير الإيزيدية من خلال القوالب الدينية الخارجية إلى مرحلة أكثر استقلالًا في دراسة فلسفتها الدينية، بما يسمح بفهم تصورها الخاص لله والإنسان والطبيعة والكون.
