سیما تیڤی

حكايات من شنكال… أرنست همنغواي في جايخانة عمّو نادرو

مراد سليمان علو
الزمان هو مرحلة الطفولة في بداية السبعينات، والمكان هو أجمل مدينة في العالم، كانت جميلة بمدرستنا الابتدائية، مدرسة سنجار الثانية الابتدائية للبنين، وببساتينها، وجايخاناتها، والرفقة الحلوة من أصدقاء هم ألطف من الملائكة.
لعبتنا المفضلة كانت جمع تصاوير نجوم الفن والرياضة، نلعب بها ونقامر بها، ومن يكون محظوظا تعطيه أمه نصف درهم، فيخرج من البيت راكضا إلى السوق التحتاني ويشتري طبقة كاملة غير مقصوصة من أولئك النجوم الذين لم يبارحوا خيالنا يوما.
بعض من تلك الطبقات المصورة كانت تحتوي على (25) صورة، وقسمنها أقل، حسب حجم الصورة، ومنشأ طبعها. وكل صورة كانت تحمل اسم النجمة أو النجم صاحب الصورة، ورقم تسلسل خاص بها.
في يوم ـ لا أتذكر اليوم بالضبط ربمّا كان جمعة، أو عطلة ـ كنا جالسين نحن أبناء محلة بربروش كعادتنا في أيام الجمع والعطل، في جايخانة عمو نادرو الملاصقة لدكان أبي، كنت بصحبة شقيقي الأكبر مني مال الله، وعرض فلم لكاري كوبر، وكل ظني كان فلم ويسترن. وفي لقطة من لقطات الفلم جلس كاري كوبر على صخرة، متأملا وفي حضنه شاب قصير الشعر. هكذا استقبلت الصورة في ذهني، وفي نفس اللحظة أدركت إن هذه اللقطة قد صورت، والصورة هي ضمن تصاوير أولئك النجوم الذين نلعب بصورهم ونجمعها.
تأكدت من الصورة لاحقا، وأدركت إنها تحمل الرقم، أو التسلسل (98)، فأحببت تلك الصورة أكثر من غيرها، وكأن لي معها حكاية. وكنت كلما أرى تلك الصورة أتذكر جلوسي مع شقيقي في الجايخانة ونحن نتفرج على ذلك الفلم، وأتخيل تلك اللقطة المميزة.
راحت تلك الأيام، وذلك اللعب البريء، وبعدها ذهبت إلى الموصل للعمل والدراسة، وشاهدت معظم الأفلام المعروضة في دور سينمات الموصل من عام (1977) والى العام (1984). ولكنني لم أشاهد ذلك الفلم، فقد بقي في بالي كذكرى تأبى الرحيل.
وتمضي سنين العمر وأستقر في ألمانيا، ومن ضمن نِعم شبكات التواصل الاجتماعي مع أنترنت مستمر وقوي عثرت على مجموعة في الفيسبوك تطلق على نفسها: (سينمات الموصل. صور، وذكريات) ومن ضمن منشوراتها كانت يوما تلك المجموعة من الصور. حملت الصورة، وخزنتها في حاسوبي، وبدأت أعيد تلك الذكرى السعيدة عندما شاهدت تلك اللقطة المميزة في فلم ما لكاري كوبر في الجايخانة بصحبة شقيقي. لا أعرف اسم الفلم، ولا الذي كان يحضنه.
بقي الأمر يؤرقني وكأنني لم أحضر، واقرأ درس سأمتحن فيه غدا. فاستعنت بتطبيق للذكاء الصناعي اسمه: (Gemini) وهو نموذج ذكاء اصطناعي متطور من تطوير جوجل، يقوم بأشياء مبدعة، فسألته كصديق لأنني لا أتعامل عادة مع الذكاء الاصطناعي، قلت له:
” لو أرسلت لك صورة ممثل، هل ستتمكن من معرفة اسم العمل الفني لتلك اللقطة؟”
أجابني بعد أن أرسلت له الصورة:
“هذه الصورة للفنان العالمي كاري كوبر، ومن فلمه الشهير (لمن تقرع الأجراس) عن رواية أرنست همنغواي. سنة الانتاج كان سنة (1943). والشخص الذي في حضنه هو الممثلة النمساوية المعروفة انغريد بيرغمان.
دهشت لهذه المعلومات. كل هذا الوقت الفلم الذي شاهدته هو من رواية أرنست همنغواي كاتبي المفضل والذي قرأت له هذه الرواية في شبابي في الموصل، دون أن أدري إنها قد تحولت إلى فلم.
بحثت عن الفلم في الشبكة وعثرت عليه، وشاهدته أون لاين ثانية، وأنا أعيد تلك الذكريات: الصور التي مررنا أصابعنا الصغيرة عليها، والصحبة الجميلة في مشاهدة كل تلك الأعاجيب في التلفزيون الأبيض والأسود في جايخانة عم نادرو، وصورة المصارع عدنان القيسي التي كانت تنتصب فوق التلفزيون.
كل هذا الوقت كنت أظن إنه كان مسلسلا من الغرب الأمريكي؛ لأن تلفزيون العراق آنذاك كان يعرض تلك المسلسلات في أيام الجمع، مثل مسلسل (روهايد) و (دخان البنادق) وغيره، وتأكد لي أذن إننا قد شاهدناه في نهار عطلة ما ولهذا عرض التلفزيون فلما وليس حلقة من مسلسل، والأمر الآخر الذي وضح أكثر بأن الشخص في حضنه كانت فتاة، لأن الصورة لم تكن واضحة والممثلة انغريد بيرغمان كانت حليقة الشعر في الفلم مما سهل خداع العقل والذاكرة كل هذه السنوات.
أما أن يكون الفلم مقتبس من رواية من روايات أرنست همنغواي فتلك كانت البهجة، والصدمة في نفس الوقت، وكأنه كان يعاتبني بعينيه الحادتين وهو جالس كل هذا الوقت في نهاية الجايخانة منتظرا أن أحل لغز الصورة المرقمة (98).

><