سیما تیڤی

رحلة في أعماق جِلْخانة لالش: بين شفرات العلوم الأزليّة والتجلي الروحي للوعي والذات.

سما_دهوك

​بقلم: عماد بيبو حسن الختاري

​مقدمة: من البحث الفردي إلى الوعي الجمعي
​في مسار البحث العرفاني عن الحقيقة، لا تبدأ الرحلة بالنظر إلى ما وراء النجوم، بل بالنزول إلى ظلمة الكهوف واستنطاق حجارة الأرض. فكما تنقلنا في مباحثنا السابقة بين قياسات لكش السماوية والهندسة المقدسة للقباب المخروطية، الي كانت رد على مقال ( علو خلف الشرف ) وكما أبحرنا في صدى الخلوة العرفانية فوق قمم سنجار وفي صحبة الأربعين وليّاً، نصل اليوم إلى “القلب الترددي والمحرك الأكبر للإيزدايتية”: جِلْخانة لالش النوراني.
​إن “الجِلْخانة” ليست مجرد معلم أثري أو مغارة صخرية في وادي لالش المقدس، بل هي “إيوان العلوم والبحور السبعة للوجود الأزلي”، ومختبر الوعي الفردي والجمعي الذي استطاع من خلاله الشيخ الجليل “شيخآدي” والخاتون والخاسون الأوائل حفظ شفرات الديانة الإيزيدية وتجديد روحها عبر تاريخ حافل بالمحن.

​١. الجلخانة في المفهوم الديني والكوني: بيت العلوم والأسرار
​تتعدد المسميات لهذا المكان المقدس؛ فيُدعى “خان ئيزيدا”، “خان خودا”، “خان جِلْميرا”، و*”خانه كاني زلال”*. وكلها تدور حول مفهوم واحد: “ماله خودى بيت الخالق ومعبد المعرفة المطلقة”.
​خَولَخانة (XeulExane): قديماً، كانت تُعرف باسم “خولخانة”، المكان الذي كان يجتمع فيه الكوچَكية والمتنبئون (الجنتارية) لفتح “دفتر ملك فخردين” (به رخك) واستقراء أسرار المستقبل وبث الوعي في المجتمع. وتُعد الخولخانة مع “عين كانياسپي”، “كاني زلال”، و”كاني زمزم” من أقدم الآثار الطاقية المرتسخة في جغرافية لالش.
​سِر الطاووسي ملك والدائرة المغلقة: في ظلمات هذه المغارة الصخرية، دُرست تعاليم الأسرار الخفية للديانة، وقوانين “سر طاووسي ملك”. وهناك اتفق الخاسون وأولياء لالش على حماية هذه التعاليم من الاندثار وعزلوها داخل دائرة طاقية صيانةً لجوهرها؛ وهي التجلي الذي اختصره القول المقدس:
​((علم شيخآدي ز كانيا زلاله))

​٢. المعمار الطاقي وطقس التطهير: حجر المسحة وكاني زلال
​عند دخولك إلى جلخانة شيخآدي، أنت لا تطأ قدماً في بناء عادي، بل تخترق أروقة سبعة مُسقفة تعكس مسارات الشاكرات ومستويات الوعي السبعة:
​حجر البركة (حجر المسحة): على الجانب الأيمن من مدخل المغارة، يربض هذا الحجر المقدس. فحسب التقليد والرويات البيرانية، كان هذا الحجر هو المكان الذي أعد فيه ٤١ من الخاسين مع شيخآدي “مسحة الغفران والطهارة” من الذنوب قبل عبور العتبة المقدسة. إنه طقس لتفريغ الطاقة السلبية وتجريد الذات من أثقال البُعد المادي قبل الولوج إلى الحضرة.
​عين كاني زلال والتعميد (موركرنا بركته): في الجدار المقابل للعتبة، تنبع مياه “كاني زلال” الصافية من بين الأحجار المثقبة، لتشكل جوهر طقس التعميد والموركرنا. وفي هذه المياه المقدسة، وتتويجاً لرحلة الصفاء والتسامي، انتقل الشيخ الجليل “شيخآدي الهكاري” إلى عالم الخلود وهو يغتسل بجوهرها الصافي.

​٣. خيمياء الاجتماع والانسجام: مالى آديا وأصل الوحدة
​في داخل الجلخانة، تتجسد خريطة التناغم والانسجام بين أقطاب المجتمع الروحي:
​قسم اليمين: أُعدّ لأبيار الشمسانيين.
​قسم اليسار: أُعدّ لأبيار الخرقة السوداء (خرقى رش)، والتي ينتمي إليها شيخآدي بحسب جذوره وأنسابه الأولى.
​ورغم هذا التقسيم الهيكلي، يجتمع الكل تحت مظلة “مالى آديا”، مصداقاً للقول المأثور: ((مالى ئاديا كولى ئيك دارنه))، إشارةً إلى أن الشجرة واحدة والجذور متصلة بالنور الإلهي ذاته.
​هنا سطر شيخآدي أعظم دروس التواضع والوعي عندما اتخذ من “بير جروان” بيراً له، ومن “بير ئيسيبا” خوداناً وخزينداراً للالش، ليقول كلمته الخالدة:
​”أنا الشيخ وأنا المريد”
وهي الشفرة التي تذيب الـ “أنا” الفردية لتدمجها في الوعي الجمعي والخضوع للهرمية الروحية المقدسة.

​٤. الجلخانة كمأوى الخلوة (مربعانية الصيف والشتاء)
​لم تكن الجلخانة مقراً للقرارات الروحية وإدارة أزمات المجتمع وتجديد الديانة فحسب، بل كانت “محراب الخلوة العرفانية” لأربعين ولياً من أولياء لالش الأوائل (جلميرا ئولدار) خلال مربعانيات الصوم (أربعين الصيف وأربعين الشتاء).
​وإلى يومنا هذا، يستمر هذا المسار الروحي الحي؛ فعند حلول المربعانية، يقصد المؤمنون والمؤمنات هذا المكان للطواف، والتبرك بماء عين زلال، ومسح الأجساد بحجر البركة.
​وهنا نُذكّر كافة أبناء المجتمع الروحي وجوقة المجلس الروحاني والعلمدارية والصائمين في مربعانيات شيخآدي: إن التبرك بماء الجلخانة والمسح بحجرها واجب طاقي وروحي، ينبغي أن يتبعه المسار نحو إيوان شيشمس للتبرك بتراب مغارة “سخرجن” (حفيد شيشمس بن خاتونا فخرا)، لتكتمل دائرة النور والتطهير.

​دعوة واستنهاض عام: تنقيب الذاكرة والرموز الخفية
​إن التاريخ الشفهي والمصادر الاجتماعية الموروثة عن الآباء والأجداد هي كنوز حيّة تحتاج دوماً إلى قراءة وتدقيق، ولهذا أضع هذا البحث بأسلوب محمول بالرجاء والمناقشة المفتوحة للجميع.
​وفي ختام هذه الرحلة العرفانية، أتوجه بدعوة عامة ورجاء أخوي إلى جميع الباحثين، والمهتمين، والمختصين بصيانة وتراث لالش النوراني؛ للعمل معاً على العناية بجلخانة شيخآدي، والقيام بعمليات تنقيب وتنظيف دقيقة لآثار الكلس الأسود المتراكم على جلسة الجلخانة وجدرانها العتيقة. فلعل تحت هذه الطبقات الزمانية تكمن شفرات ورموز وإشارات دينية خفية، تركها الأوائل لتكون قناديل تهتدي بها أجيالنا في رحلة البحث عن الذات والوعي الخالص.
​خودى تمام… ودام لالش نبعاً للنور والحكمة.

><