حسون جهور
عندما ينظر الإنسان، ولاسيما في هذا العصر المنفتح فكرياً، إلى قصص الأديان القديمة، يلاحظ أمراً لافتاً يتمثل في تكرار الكثير من الرموز والعادات عبر العصور والحضارات المختلفة. فالطوفان، على سبيل المثال، حاضر في الموروث السومري والبابلي القديم، ولاسيما في ملحمة گلگامش التي سبقت ظهور التوراة والأديان الإبراهيمية. وكذلك نجد أفكاراً متشابهة حول المخلّص، ويوم القيامة، والجنة والنار، والتضحية للإله طلباً للخلاص أو مغفرة الذنوب، إضافة إلى حلم الخلود والحياة المثالية بعد الموت. وهذا يدل على حضور هذه التصورات في مخيلة الإنسان القديم بأشكال وصور متعددة.
ههنا يبدأ السؤال المنطقي والعقلاني، قد يطرحه الإنسان العادي قبل الباحث والمتخصص، هل ظهرت هذه القصص بشكل مستقل تماماً عن بعضها؟ أم أن الأفكار والرموز والأساطير انتقلت بين الحضارات بفعل التفاعل البشري المستمر، ثم أُعيدت صياغتها وفق طبيعة كل مجتمع والزمن؟ لذا من الناحية التاريخية، يبدو من المنطقي القول إن الثقافات تتبادل التأثير فيما بينها؛ فالإنسان القديم لم يكن معزولاً عن غيره، بل عاش في عالم مليء بالحروب والغزوات، والتبادل التجاري، والهجرات المستمرة بحثاً عن الأمن والمعيشة لاسيما بفعل تاثير التغير المناخي، فضلاً عن ظهور إمبراطوريات كبرى ربطت مناطق واسعة من العالم القديم ببعضها، ولاسيما في الشرق. لذلك، فمن الطبيعي أن تنتقل الافكار والفلسفات والرموز الدينية والأساطير بين الشعوب، ومنها فكرة “القربان” أو “التضحية المقدسة”.
إن فكرة التضحية للإله موجودة في حضارات عديدة سبقت الأديان الإبراهيمية، فالإنسان عبر التاريخ حاول الإجابة عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالموت والروح والحساب والقوى الميتافيزيقية التي تخيل أنها تتحكم بالكون ومصير الإنسان. وفي ظل غياب الأنظمة القانونية والاجتماعية الحديثة آنذاك، لعبت الأساطير والرموز الدينية دوراً أساسياً في تنظيم المجتمع ومنح الإنسان شعوراً بالمعنى والخلاص، ومع مرور الزمن، تحولت بعض هذه الرموز إلى عقائد دينية وأنظمة أخلاقية متكاملة. ومن ابرزها يبرز عيد القربان بوصفه نموذجاً لفكرة “التضحية من أجل رضا الإله”. ففي بعض الحضارات القديمة وما بعدها، مثل الديانة المرتبطة بـ ميثرا، كان الثور يُقدَّم بوصفه رمزاً مقدساً مرتبطاً بالشمس والحياة والخصب. ويرى بعض الباحثين وجود تشابهات رمزية بين هذه الطقوس وبعض الأعياد والاحتفالات الشمسية القديمة. أما في الرواية الإبراهيمية، فتظهر فكرة استبدال الابن بكبش كقربان، وهي الفكرة التي تجسدت لاحقاً في عيد الأضحى بوصفها رمزاً للطاعة والوفاء بالوعد الإلهي.
وفي النهاية، يبقى الدين او العقيدة عند كثير من الناس مرتبطاً بالإيمان والمعنى الروحي، بينما يراه آخرون نتاجاً تاريخياً وثقافياً تطور عبر القرون بتأثير البيئة والحضارة والخيال الإنساني. أما المنطق، فليس بالضرورة أن يقود الجميع إلى النتيجة نفسها، لكنه يدفع الإنسان إلى التساؤل والبحث والمقارنة، والنظر إلى التاريخ بوصفه مساراً متراكماً من الأفكار والتجارب الإنسانية. واخيرا نقول التقاليد القديمة حسب فلسفة التاريخ هي ليست مجرد بقايا من الماضي، بل مرايا تعكس تطور الوعي البشري، مثلما لأديان والأساطير، مهما اختلفت، تشترك في محاولة الإجابة عن خوف الإنسان من المجهول واللامتناهي حسب نظري سيجموند فرويد عن (خوف الانسان من الطبيعة والكون والعجز امام الموت).
27.05.2026
جامعة اوسنابروك
