سیما تیڤی

الإمارات الأيزيدية التاريخية

سيروان سليم شرو
ساهم الإيزيديون في تأسيس عدة إمارات مستقلة تماما عن الدول المجاورة، ودافعت هذه الإمارات عن نفسها بقوة ضد كل محاولة للقضاء عليها من خلال الثورات والانتفاضات، مما جعلها عرضة لحملات عسكرية دموية مدمرة. وكان حكم بعض هذه الإمارات قصيرا ونهض لأسباب مؤقتة، واقتصرت مساحتها غالبا على بلدة وضواحيها، باستثناء إمارة شيخان التي تأسست على أنقاض الإمارات الداسنية، ومع ذلك لم تتطور هذه الإمارات لتصبح دولا متكاملة الأركان كالدول التي قامت حولها.
ومعلوماتنا التاريخية قليلة عن الإمارات التي أسسها الإيزيديون قبل مجيء الشيخ ادي بن مسافر الهكاري إلى معبد لالش، ويعود ذلك لندرة المصادر وغياب التدوين التاريخي لاعتماد الكلي على الرواية الشفهية، بالإضافة إلى أن الحملات العسكرية المدمرة التي تعرض لها الإيزيديون قد قضت على التدوينات التي كانت موجودة، مما تسبب في صعوبة الحصول على مصادر توثق نشاطهم السياسي والديني. ومع أن المؤرخ الكوردي شرفخان البدليسي تحدث في كتابه الشرفنامة عن إمارات إيزيدية عديدة، إلا أنه لم يذكر أمراء داسن في الفصل التاسع، ولا أمراء إمارة زرزا في الفصل السابع من الباب الثالث، رغم أنها كانت إمارات إيزيدية دام حكمها لفترة من الزمن.
أما الإمارة الداسنية فهي إمارة عريقة، ورد ذكر داسن لأول مرة في الكتابات الآشورية التي حددت اراضيها بمملكة داسن قبل ألفي عام قبل الميلاد( 2000 ق.م)، كما ذكرت جبال داسن في مدونة آشورية أخرى من أوائل القرن السابع قبل الميلاد، حيث كانت الجبال الممتدة شمالا حتى أتروش وشرقا حتى دوكان وغربا حتى ألقوش ودهوك تسمى بجبال الداسنية، وترك الداسنيون أسماءهم على جبال داسن في الهكاري وبهدينان وبيتاس التي تقع عند حرير وقرب زاخو.
كما ورد ذكر داسن في المصادر الإسلامية، حيث جاء في كتاب فتوح البلدان أنه عندما تولى عتبة بن فرقد السلمي حكم الموصل في عام 641 ميلادي من قبل عمر بن الخطاب، فتح منطقة المرج وقراها وأرض باعذرا وحبتون والمعلة وداسين وهي داسن. ويذكر صاحب معجم البلدان أن داسن اسم جبل عظيم شمال الموصل يسكنه خلق كثير يقال لهم الداسنية، ووردت داسن أيضا في مصادر الكنيسة الشرقية وكتب الرحالة الغربيين، وجاءت كبقعة مقدسة في كتاب جلوه الديني الإيزيدي الذي وصف داسن بأنها قلب الدنيا والأرض وأن لالش قلب داسن.
وكانت الإمارة الداسنية تضم الأجزاء الجنوبية الغربية من منطقة بهدينان، ومركزها مدينة (( بلد مالتا )) القريبة من الضفة الشرقية لنهر دجلة شمال الموصل وتسمى اليوم دهوك، وكانت تشمل مناطق الشوش المرج وعقرة والسليفاني ونيروا وريكان والشيخان وزاخو والسندي. وعرفت دهوك بمركز الإمارة الداسنية السفلى التي تأسست سنة 916 ميلادي ودامت حتى سنة 1263 ميلادي ، لتتأسس على أنقاضها إمارة مالى آديا التي اندمجت لاحقا بإمارة. شيخان في عهد مير محمد باطني ومن ثم اندمجت لاحقا بأمارة بهدينان.
ومع أن المعلومات التاريخية شحيحة عن أمراء الإمارة الداسنية، إلا أن الروايات تكشف عن تحركات بعضهم ضد السلطات الأجنبية المحتلة، ومنهم الأمير كوهدز الداسني الذي سيطر على منطقة بادينان الحالية واستقل بها في بداية العصر العباسي عهد الخليفة أبي جعفر المنصور، الذي أرسل وزيره خالد بن برمك لإخضاعهم عام 786 ميلادي وجعل الموصل مركزا لانطلاقه، وكانت أولى مهامه إخضاع الإمارة الداسنية المجاورة التي رفضت العباسيين وتمسكت بعقائدها.
واتسع نفوذ الإمارة في عهد أميرها المشهور جعفر بن مير هسن الداسني، الذي ينتمي لعائلة عريقة من طبقة بير، وكان والده المير هسن أميرا شجاعا ينتمي لعشيرة الدمبلية الذين عاشوا في سهل حرير ثم انتقلوا إلى هكاري وأذربيجان. وحكم المير جعفر الإمارة الداسنية من عقرة إلى زاخو بعد والده، وكانت قرية ماتعيس التي تسمى مجمع مهد حاليا مركزا لتجمعه، وسميت كذلك نسبة إلى الأمير عيسى الدومبلي فصارت مهت.
وتذكر الشرفنامة أن الأمير عيسى وهو من أوائل الأمراء الدومبليين انتقل مع مئة أسرة إيزيدية إلى آذربيجان، ثم غادرها إلى منطقة حرير وتوجه بعدها إلى قرية مهت الحالية في قضاء الشيخان فسميت مهت عيسو، وما زالت عشيرة الدنبلية الإيزيدية تتواجد هناك بكثرة. ويعتقد مترجم الشرفنامة محمد علي عوني أن المير جعفر هو من أحفاد الأمير عيسى الدنبلي لكونهما ينتميان لنفس العشيرة.
وكان ولاة الخلافة العباسية في الموصل يتبعون سياسة تعسفية ضد القبائل الكوردية، والعشائر الأيزيدية وتميز عهد الخليفة المعتصم بكثرة الثورات في كوردستان بسبب غياب المساواة وعدم احترام العقائد الدينية والاعتماد على الأتراك، ورفض المير جعفر الداسني هذه السياسة فصار من رواد التوجه نحو الاستقلال الذاتي في مرگهى بهدينان مستغلا الأوضاع السياسية.
أعلن المير جعفر ثورته عام 839 ميلادي لمواجهة الدولة العباسية التي حاولت إضعافه سياسيا ودينيا، ويذكر ابن الأثير أن جعفر استولى على ماتعيس، فأرسل المعتصم عبد الله بن السيد أنس الأيزدي لقتاله، ونجح عبد الله في إخراج جعفر من ماتعيس فتوغل خلفه في مضايق جبل داسن، وهناك استغل الايزيديون معرفتهم بالمنطقة وهزموا جيش عبد الله وقتلوا أكثر رجاله.
أثار هذا الانتصار غضب الخليفة المعتصم فجهز جيشا ضخما بقيادة القائد التركي إيتاخ الذي توجه نحو جبال داسن عام 840 ميلادية، ودارت معارك شديدة استمرت حتى العام التالي وانتهت لصالح إيتاخ الذي قتل كثيرا من الثوار، وفضل الأمير جعفر الموت على الاستسلام فتجرع السما ومات سنة 841 ميلادي وفشلت الثورة وقام جيش إيتاخ بتخريب البلاد ونهب القرى وسوق الأسرى إلى تكريت، ولم يتركوا جثمان جعفر بل أخذوه إلى سامراء وصلبوه بجانب بابك الخرمي ومازيار.
وفي سنة 906 ميلادي ثار الداسنية مجددا بالتحالف مع الكورد الهذبانية والحميدية وسيطروا على نواحي الموصل الشرقية وكادوا يدخلون المدينة، فكلف الخليفة المكتفي متولي الموصل أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان التغلبي بالقضاء على الثورة، وبعد معارك عنيفة استسلم قائد الثورة محمد بن هلال الهذباني ثم استسلمت الداسنية والحميدية، وبعد فترة ثار أمير داسني آخر فلاحقه القائد العباسي الحر بن موسى والتجأ الأمير إلى جبال داسن ولم تذكر المصادر نهاية حركته.
وتنقطع المعلومات التاريخية حتى مجيء الشيخ ادي بن مسافر الهكاري إلى معبد لالش في جبال داسن حوالي سنة 1015 ميلادي، لتبدأ مرحلة جديدة تمكن فيها من تغيير نمط حياة الإيزيديين دينيا وسياسيا، فاندمجت الإمارة الداسنية بالإمارة الإيزيدية الجديدة المعروفة بإمارة مالى آديا دينيا أو أمارة شيخان، بينما انتزعت إمارة بهدينان في عهد أميرها حسن بن زين الدين بعض المناطق ومنها مركز الإمارة مدينة دهوك عام 1236 ميلادية.وضمت إمارة الشيخان المنطقة الواقعة بين نهري الزاب الكبير والخابور، وقام مجتمعها على تجمع عشائري وديني وقومي من الإيزيديين والمسلمين الذين اجتمعوا حول الشيخ ادي بن مسافر الهكاري الذي عرف بالزهد والكرامات، ويذكر الإيزيديون أنه آمن بفكرة طاووس ملك، وكان يرى أن الخير والشر مصدرهما واحد تفاديا لنسب العجز إلى الخالق، وهي الفكرة الأساسية للمعتقدات القديمة التي قامت عليها نظرية زرادشت.
ويؤكد الباحثون الكورد والمستشرقون أن الشيخ ادي كورديا تنحدر أصوله من جبال الهكاري جبال داسن، ويشير أنور المائي إلى أن الخناق العباسي اضطر الشيخ ادي وأخاه لترك جبال هكاري واللجوء للشام، ويلفت باحثون إلى أن تجمهر أهالي المنطقة حوله عند عودته لمعبد لالش وتلقيبه بالهكاري يؤكد هذه الجذور، ويرى باحث آخر أنه من كورد الشام وولد في شوف الكورد حوالي سنة 1070 ميلادي، بينما يعتقد الباحث قناتي كوردو أن أصله من مريوان في كوردستان إيران بسبب لهجة الكتب المقدسة مصحف رش وجلوه التي تطابق لهجة مريوان، ويؤكد مؤرخون عاصروه مثل ابن خلكان والأربلي وابن العبري أصله الكوردي وأنه كان يتحدث الكوردية.
ويذكر مظفر الدين الأربلي أنه رأى الشيخ ادي مارا بالموصل نحو معبد لالش وسط استقبال حافل من الإيزيديين، وأدى هذا التوافد إلى تعاظم شأن الإيزيديين سياسيا ودينيا وتحولت المنطقة إلى إمارة وراثية هي إمارة الشيخان التي لعبت أدوارا مهمة في أواخر العصر العباسي.
ولم تذكر المصادر تفاصيل سياسية عن إمارة الشيخان أيام الشيخ ادي، لكن الإمارة نشطت وبايعه الداسنيون أميرا دينيا ودنيويا، واضمحل منذ ذلك الوقت دور العائلة الشمسانية في إدارة الشؤون الروحية والدنيوية بعد أن كانت تقوم بطقوس العبادات الشمسية القديمة، واقتصر دورها لاحقا على إقامة الطقوس الدينية، حيث ما زال الرئيس الروحي للإيزيدية ينتخب منها ويعرف بالبابا شيخ.
ومع أن أغلب الباحثين ينسبون الإصلاحات الدينية للشيخ آدي الأول، إلا أن الأدلة تبين أنه كان متزهدا منشغلا بالعبادة ولم تبد الدولة العباسية أي مخاوف من حركته، مما يرجح أن الإصلاحات وتأسيس الإمارة الدينية السياسية وتوسعها يعود لفترة الشيخ ادي الثاني بن أبي البركات وابنه الشيخ حسن بن شيخآدي الثاني، بدليل مخاوف القوى المجاورة التي حاولت القضاء عليها لاحقا.
وكان الهدف من الإصلاحات تنظيم الأعداد الكبيرة من الكورد الداسنيين وتحويل النفوذ من طابع ديني إلى دنيوي سياسي لخدمة الطموحات السياسية، وتمثلت في تغيير التركيب الديني واستبداله بنظام هرمي يقسم المجتمع إلى ثلاث طبقات رئيسية هي شيخ ،پير،مريد
وخلق هذا النظام علاقة دينية جعلت لكل إيزيدي شيخا وبير وأخا للآخرة، وامتزجت عادات الإيزيدية القديمة بالتعاليم مكارم الاخلاق والادب للشيخ ادي بن مسافر، ونجحت الهيكلة التراتيبية في الحفاظ على المعتقدات القديمة وربطت الإيزيديين بمركز معبد لالش.
حيث توفي الشيخ ادي بن مسافر سنة 1162 ميلادي في معبد لالش ودفن هناك، وأوصى بأن يتولى مكانه ابن أخيه الشيخ أبو البركات صخر بن صخر بن مسافر الهكاري وتوفي الأخير.. وتولى بعده ابنه الشيخ ادي الثاني إمارة لالش الآدانية، وفي عهده توسعت الإمارة حتى حدود مدينة الموصل وقاوم الإيزيديون المغول بنجاح وردوهم على أعقابهم، وبعد فشل حصار المغول لأربيل انسحبوا نحو الموصل وألقوا القبض على الشيخ ادي الثاني وأعدموه بأمر من السلطان المغولي .ثم خلفه ابنه الشيخسن الذي ولد في معبد لالش سنة 1194 ميلادي وهو صاحب كتاب جلوة في الخلوة، واتسعت مناطق نفوذ إمارته في عهده نحو الموصل بشكل لافت، مما دفع أتابك الموصل بدر الدين لؤلؤ لاستدعائه وقتله غدرا في قلعة الموصل سنة 1246 ميلادي خوفا من استيلاء الإيزيديين على المدينة..وتولى الإمارة بعده ابنه شرف الدين الذي ذكره ابن العبري كزعيم كوردي بارز، وتحالف شرف الدين مع عز الدين السلجوقي سنة 1257 ميلادي لجمع قوة من الكورد المسلمين والإيزيديين لمواجهة المغول وقاد قوات نواحي ملاطية وخربوت، لكن قائد الجيش المغولي أدركه وقتله مع رجاله، وكانت علاقة شرف الدين سيئة مع بدر الدين لؤلؤ الذي أرسل حملة عسكرية إلى معبد لالش في عهد مير شرفدين..
واستمرت إمارة الشيخان في نشاطها بعد العصر المغولي والجلائري رغم عمليات الاضطهاد، وينقل القلقشندي عن كتاب مسالك الأبصار أن الداسنية تشتت شملهم بعد أن كانوا أوفر عددا وعدة، وتراجع عددهم في الموصل إلى ألف رجل وكان لهم أمير يدعى كوركو بن إبراهيم في بلدة العقر.
ويذكر المقريزي أن رجلا يعرف بجلال الدين الحلواني دعا إلى قتالهم سنة 1424 ميلادي تقريباً .فاستجاب له أمراء كورد وزحفوا نحو جبال داسن الهكارية وقتلوا وأسروا أعدادا كبيرة، وتوجهوا بالأسرى إلى معبد لالش ونبشوا قبر الشيخ ادي وأحرقوا عظامه أمامهم لإضعاف معنوياتهم.
واستعادت إمارة الشيخان الداسنية قوتها في عهد أميرها حسن بك الداسني بعد ضعف استمر لأكثر من قرن، وحماها من الأخطار الخارجية مثل محاولات دولة آق قوينلو التركمانية الاستيلاء على أراضيها، ونجح في توحيد الإمارة تحت لواء السلاطين العثمانيين سليم الأول وسليمان القانوني، ووقف على الحياد في معركة جالديران عام 1514 ميلادي بين العثمانيين والصفويين، وبعد انتصار العثمانيين أعلن ولاءه للسلطان سليم الأول واستولى على الموصل وعين ابنه حسين بك حاكما عليها، وتوفي الأمير حسن حوالي سنة 1534 ميلادية وتولى الإمارة من بعده ابنه حسين بك واشتهر بالداسني وحظي بثقة واهتمام الدولة العثمانية.
نشأت إمارة كلس وأعزاز التاريخية في منطقة مثلث سيروس التي تضم حاليا كامل منطقة عفرين ونواحي حارم وشمالي سهل العمق وأعزاز وكلس وصولا إلى جبال الكورمانج داخل الحدود التركية الحالية، وتأسست هذه الإمارة بعد أن منح الأيوبيون ناحية القصير في سهل العمق للأمير شيخ مند باشا، وهو ما وثقه المؤرخ شرف خان البدليسي في كتابه شرفنامة سنة 1596 ميلادي حيث عاصر الأحداث وكان مطلعا على شؤون الإمارة والباب العالي العثماني، ويذكر البدليسي أن المنديين هم أبناء عمومة لحكام هكاري والعمادية في العراق، وأن الأمير مند جمع قوة من العشائر الكردية والأيزيدية وساند السلاطين الأيوبيين فأنعم عليه أحدهم بناحية قصير أنطاكية وقلعتها لتكون سنجقا يقيم فيه مع أتباعه، ثم لحق به الأكراد القاطنون في سهل جوم وكلس واجتمع حوله الكثير من الأكراد ومن الأيزيديين فعلا شأنه وتوسع نفوذه وحصل على ولاية في ولايتي الشام وحلب، وبعد أن نجح الأمير مند في إخضاع بعض الشيوخ المعارضين له بين حماه ومرعش دانت له المنطقة بالكامل حتى وفاته ليتولى من بعده ابنه عرب بك ثم حفيده الأمير جمال ثم أحمد بك بن جمال.
وعندما انتهت دولة الأيوبيين في حلب باحتلال المغول بقيادة هولاكو للمنطقة سنة 1261 ميلادي.وتراجعهم لاحقا بعد معارك مع المماليك، حافظت الإمارة على استقلالها تحت حكم الأسرة المندية ورفض الأمير أحمد بك الإذعان للمماليك، واستمر هذا الاستقلال حتى وصول المماليك البرجية إلى الحكم، وفي نهاية عهدهم تولى قاسم بك وهو من أحفاد الأمير مند زمام الحكم وكان ذا بأس ودهاء، وحين حاول سلاطين المماليك عزله وتعيين الشيخ عز الدين(شيخ ئيزدين ) الذي ينحدر من سلالة الشيوخ الأيزيديين، نجح قاسم بك في هزيمة الجيش المملوكي وقوات الشيخ عز الدين المحتشدة ضده ليحافظ على استقلال إمارته كاملا، ومع تغير موازين القوى واتجاه السلطان سليم الأول العثماني لقتال المماليك في الشام ومصر عرض قاسم بك أمير كلس الطاعة على السلطان وحظي بزيارته وسار معه نحو الأستانة برفقة ابنه جان بولات الذي كان طفلا، وفي تلك الأثناء استغل الشيخ عز الدين الفرصة ووشى بالأمير قاسم لدى ديوان أمير لواء حلب العثماني قراجه باشا مما أدى إلى صدور أمر سلطاني بقتل قاسم بك بينما احتفظ السلطان بالطفل جان بولات في بلاطه لتربيته ورعايته.
تولى حبيب بك شقيق قاسم بك الحكم بعد مقتله، لكن قره جه باشا غدر به وصلبه تحت قلعة حلب، وتذكر المصادر التاريخية مثل كتاب درر الحبب للرضي الحنبلي وكتاب اليزيديون لعبد الرزاق الحسني أن عداوة دينية ودنيوية كانت قائمة بين الأمير عز الدين بن يوسف الذي تولى إمارة لواء حلب لاحقا وكان ينتسب لطائفة الشيخ آدي بن مسافر وبين أولاد عربو لكون بيت عربو من أهل السنة المسلمين وبيت الشيخ مند من الأيزيدية، وبعد وفاة الشيخ عز الدين وإسناد الإمارة مؤقتا لآخرين عاد جان بولات بك إلى الواجهة في عهد السلطان سليمان القانوني بعد أن أظهر شجاعة كبيرة في المعارك واستعاد حكم إمارة آبائه وأجداده في إيالة كلس وملحقاتها بفضل تقرير رفعه حسين خان الخادم يؤكد فيه أنه لا يوجد من يستطيع ضبط الأمن وإخماد الفتن بين الأكراد غير جان بولات، وتوفي الأمير جان بولات سنة1572 ألف ميلادية عن عمر ناهز المئة عام مخلفا عددا كبيرا من الأولاد تولى أحدهم وهو جعفر بك الحكم بموجب وصية والده وعهد السلطنة لكنه توفي سريعا إثر سقوطه عن حصانه ليتبعه في الحكم شقيقه حبيب بك بعد نزاعات عائلية على السلطة ثم انتقل الحكم إلى شقيقهما حسين بك الذي حكم سنين عديدة بالاستقلال التام ونال لقب باشا ومنصب أمير الأمراء في طرابلس الشام سنة 1592 ميلادية.
تميز عهد حسين باشا جان بولات بالعديد من المواجهات العسكرية حيث ساعد الحلبيين ضد تجاوزات الانكشارية القادمين من دمشق كما واجه حصارا وتخريبا لقرى كلس من قبل تلك القوات، وفي سنة 1602 ميلادية استعان به والي حلب نصوح باشا لقتال الانكشارية لكن نصوح باشا انقلب عليه لاحقا وأثار شائعات بأنه عاص للدولة فوقعت بينهما مواجهة عسكرية خارج كلس انتهت بهزيمة نصوح باشا وعزله من قبل الصدر الأعظم سنان باشا وتعيين حسين باشا كافلا للممالك الحلبية مما دفع حسين باشا لحصار حلب أربعة أشهر حتى تم الصلح وخروج نصوح باشا منها، وفي سنة 1560 ألف ميلادية اتهم الصدر الأعظم جغاله زاده سنان باشا الأمير حسين باشا بالتباطؤ في اللحاق بالجيش لقتال الفرس فقبض عليه في وان وخنقه وقطع رأسه وعين مكانه أخاه علي بك مما فجر ثورة عارمة قادها ابن شقيقه علي بك بالتعاون مع عمه خضر بك حيث سيطر على حلب واستقل بها وهزم القوات الشامية بقيادة يوسف بن سيفا وتوسع حكمه ليمتد من أذنة إلى غزة واعترافا بقوته عقد علي بك معاهدة مع حكومة توسكانا الإيطالية سنة 1670 ميلادية وخطب باسمه وصك النقود وأعلن الاستقلال التام عن الدولة العثمانية.
دفعت هذه التطورات الحكومة العثمانية لإرسال الصدر الأعظم قويوجي مراد باشا على رأس جيش ضخم فالتقى بجيش علي باشا ابن جان بولات في شهر تشرين الأول من عام ألف 1670 ميلادية بجوار بيلان في موقع سهل الروج وانتهت المعركة بهزيمة علي بك ومقتل الآلاف من عسكره فانسحب إلى كلس ثم حلب وقصد بعدها السلطان أحمد الأول في بورصة معلنا خضوعه فعفا عنه السلطان وعينه أمير أمراء لإيالة طمشوار في يوغسلافيا الحالية لكن الصدر الأعظم قويوجي مراد باشا لم يرض بهذا العفو وأرسل من يقتل علي باشا في قلعة بلغراد سنة1611 ميلادية وبذلك انتهى حكم الأسرة المندية التي حكمت كلس لنحو أربعة قرون وتمكن بعض أفراد العائلة الجان بولاتية من النجاة والاختفاء في حلب وكلس والتحق سعيد بك جان بولات سنة1630 ميلادية بأمراء لبنان المعنيين الدروز حيث تذكر المصادر أن الأسرة المندية اعتنقت المذهب الدرزي ومن سعيد بك هذا تنحدر الأسرة الجنبلاطية الحالية في لبنان ولا تزال هناك سبع عشرة قرية درزية في منطقة حارم يؤكد أهلها على أصلهم الكردي وتعتبر قلعة جان بولات الأثرية القائمة على قمة جبل بارسي جنوب غربي مدينة كلس شاهدا حيا على هذا التاريخ العريق للإمارة حيث تطل على نهر عفرين وإعزاز وتضم أطلالا وسورا وخزانات مياه قديمة ومقبرة ومزار بارسي خاتون الخاص بالأيزيديين وبذلك تجمع هذه المقالة فصولا من تاريخ الإمارات الأيزيدية التي تركت أثرا بالغا في جغرافية وتاريخ المنطقة
ذكرنا المصادر جميعها أثناء كتابة المقالة

><