سیما تیڤی

نحو كتاب ديني إيزيدي موحّد: رؤية منهجية لإنجاز مهمة تاريخية

منذ بدايات ثمانينيات القرن الماضي، شهدت الديانة الإيزيدية مرحلةً مفصلية في تاريخها الثقافي والديني، عندما بادر عدد من الكتّاب والمثقفين الإيزيديين -ولأول مرة- إلى جمع وتدوين ونشر جزء من الأدعية والنصوص الدينية المقدسة التي كانت محفوظة عبر الأجيال في الصدور أي ما يسمى حتى الآن بـ (علم الصدر).
لقد حمل هؤلاء الكتاب أكفانهم على أيديهم وتحدوا الصعاب عازمين على تبديد غيوم الجهل والظلمات التي كانت تعيش فيها الديانة الإيزيدية ومعتنقوها.
ومن بين أبرز رواد هذه المرحلة المرحوم بير خدر سليمان، والدكتور خليل جندي، والدكتور بير ممو فرمان، والمرحوم عيدو بابا شيخ، إلى جانب نخبة أخرى من المثقفين والباحثين الذين تركوا بصمة علمية وثقافية عميقة في تاريخ الديانة الإيزيدية.
لقد شكّلت جهود هؤلاء الرواد ثورةً حقيقية بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ إذ أسهمت في إحداث نهضة فكرية وثقافية كان لها أثر كبير في تعزيز الوعي الديني والاجتماعي لدى الإنسان الإيزيدي، وفتحت آفاقاً جديدة للبحث والمعرفة بعد قرون طويلة من الاعتماد شبه الكامل على النقل الشفهي. ووقفوا في وجه كل من تسول له نفسه بالإساءة إلى الديانة الإيزيدية وتشويه تاريخها وأصالتها.
وبالطبع، لم يكن لهذه النهضة أن تتحقق لولا وجود عوامل موضوعية ساعدت على ولادتها واستمرارها، وفي مقدمتها نهوض الحركة القومية الكوردية وما وفرته من مناخ ثقافي وفكري أتاح لهذه النخبة المثقفة أن تؤدي دورها الريادي في خدمة المجتمع والدين.
إن هذه الثورة الفكرية والثقافية -ورغم ما حققته من إنجازات- تركت خلفها أسئلة جوهرية ما تزال تنتظر الإجابة، ولعل أبرزها: هل يمكن للإيزيديين أن يمتلكوا كتاباً دينياً مقدساً وموحداً يجمع نصوصهم وتراثهم الديني في مرجع واحد معتمد؟
إن الهدف من هذا المقال ليس تقديم إجابة نهائية عن هذا السؤال، وإنما طرح رؤية عملية وآلية عمل قد تساعد على إنجاز هذه المهمة التاريخية الصعبة والمعقدة.
وفي اعتقادي، يجب الاتفاق أولاً على أن هذه المهمة -في مراحلها العلمية الأولى- ليست من اختصاص المجلس الروحاني الإيزيدي بشكل مباشر، بل تقع على عاتق نخبة علمية متخصصة تتولى إعداد المشروع وفق أسس أكاديمية رصينة، قبل عرضه لاحقاً على المجلس الروحاني للنظر فيه وإقراره.
ومن أجل إنجاز مشروع كتاب ديني مقدس وموحد، فإن الحاجة تقتضي تشكيل مجمع علمي متخصص يضم:
1. متخصصين في علوم اللغات.
2. متخصصين في علم اللاهوت والأديان.
3. متخصصين في علم التفسير وشرح النصوص.
4. متخصصين في التاريخ.
5. متخصصين في الميثولوجيا والموروث الديني القديم.
6. حَفَظَة الأدعية والنصوص الدينية من أصحاب (علم الصدر).
وبعد جمع هذه النصوص، يجب إخضاعها للدراسة والتحقيق والمقارنة والتوثيق، بما يضمن الحفاظ على أصالتها وروحها الدينية، ويمنح الأجيال القادمة مرجعاً موحداً يستند إلى أسس علمية راسخة.
وبعد الانتهاء من هذه المهمة العلمية الكبيرة، يمكن حينها عرض المشروع على المجلس الروحاني الإيزيدي الأعلى ليقوم بدراسته وإبداء الرأي فيه والمصادقة عليه وفق الأصول الدينية المعتمدة.
ولا تقتصر أهمية هذا المشروع على توحيد النصوص الدينية وتوثيقها فحسب، بل قد يسهم أيضاً في تقديم إجابات علمية وموضوعية على العديد من الأسئلة والإشكاليات التي ما تزال محل نقاش داخل المجتمع الإيزيدي. كما يمكن أن يساعد في معالجة بعض الظواهر السلبية التي تعاني منها الديانة الإيزيدية نتيجة تعدد الروايات واختلاف التفسيرات وغياب المرجعية النصية الموحّدة في بعض القضايا. ومن شأن هذا الجهد أن يعزز الفهم الصحيح للموروث الديني، ويحد من حالات الالتباس والاجتهادات الفردية المتناقضة، بما يسهم في ترسيخ وحدة الخطاب الديني وحماية التراث الإيزيدي للأجيال القادمة.
إن مشروع الكتاب الديني الإيزيدي الموحّد ليس مجرد عمل توثيقي، بل هو مشروع حضاري وثقافي وديني يهدف إلى صون التراث الإيزيدي وحمايته من الضياع، وتقديمه للأجيال القادمة بصورة علمية تليق بعراقة هذه الديانة وتاريخها الممتد عبر القرون.
سرحان عيسى

><