سما_دهوك
بقلم: دلشاد نعمان.
تُثير حملات ملاحقة المتهمين بالفساد المالي واستغلال النفوذ، التي شهدها العراق في الآونة الأخيرة، موجةً من التساؤلات قبل أن تُثير مشاعر الارتياح.
فبينما استقبل المواطن العراقي هذه الخطوات بشيءٍ من الأمل، بوصفها مؤشراً على إمكانية استعادة هيبة الدولة وسيادة القانون، بقي في داخله سؤالٌ أكبر من الخبر نفسه: هل نحن أمام بداية مسارٍ حقيقي لإصلاح منظومة أنهكها الفساد، أم أمام مرحلةٍ عابرة لن تُغيّر من المشهد إلا ملامحه الظاهرة؟
لقد علّمت التجارب العراقيين أن الفساد مجرد ملفات متفرقة، بل هو منظومة تراكمت عبر سنوات طويلة، تمددت داخل مؤسسات الدولة، وتشابكت فيها المصالح السياسية والاقتصادية والإدارية.
ومن هنا، فإن أي خطوة تُتخذ اليوم تُقاس بقدرتها على الوصول إلى جذور المشكلة، لا إلى فروعها. ورغم ذلك، تبرز جملة من الأسئلة التي تبدو مشروعة في نظر الرأي العام:
أولاً: إذا كانت التحقيقات قد طالت مسؤولين لم يمضِ على تسلّمهم مناصبهم سوى سنوات معدودة، واتُّهموا بالاستيلاء على مبالغ ضخمة، فكيف ينظر القضاء إلى الملفات التي تعود لمسؤولين شغلوا مواقع مماثلة لعقود طويلة؟ وهل ستكون معايير المساءلة واحدة، أم أن الزمن يمنح بعض الملفات حصانة غير معلنة؟
ثانياً: هل تمتلك الحكومة، برئاسة السيد علي الزيدي، رؤيةً شاملة لمحاسبة جميع المتورطين في قضايا الفساد، مهما بلغت مناصبهم أو نفوذهم؟ أم أنها تقتصر على ملفات محددة دون غيرها؟
ثالثاً: إذا كانت هناك ادعاءات أو انطباعات متداولة في الأوساط السياسية والإعلامية بأن مراحل معينة شهدت ارتفاعاً في مؤشرات الفساد، فهل ستُفتح ملفات تلك الفترات وفق الأصول القانونية، بعيداً عن الانتقائية أو الاعتبارات السياسية؟ فالدولة التي تحترم مؤسساتها لا تُحصّن أي مرحلة، ولا تستثني أي مسؤول من الرقابة والمساءلة.
رابعاً: يُثار أيضاً نقاش قانوني وأخلاقي حول مبدأ إعادة الأموال العامة مقابل تخفيف الإجراءات القضائية أو إسقاط بعض التبعات، فهل ينسجم ذلك مع فلسفة العدالة التي تقوم على المحاسبة إلى جانب استرداد الحقوق؟ أم أن مثل هذه الإجراءات تحتاج إلى إطار قانوني أكثر وضوحاً يطمئن المجتمع بأن العدالة لا تُختزل في استرجاع المال فحسب، بل تشمل أيضاً صون هيبة القانون وردع من تسوّل له نفسه العبث بمقدرات الدولة؟
خامساً: وفي إقليم كوردستان، يتطلع المواطن الكوردي أيضاً إلى رؤية خطوات مماثلة تعزز الثقة بالمؤسسات، خصوصاً في ظل ما يُثار بين الحين والآخر من شبهات تتعلق بإدارة المال العام. فهل ستشهد مؤسسات الإقليم مبادرات مماثلة من قبل رئيس الحكومة، تقوم على الشفافية والمساءلة دون استثناء، كما يحدث الان في بغداد؟
ومما لا شك فيه، فإن هذه الأسئلة لا تعكس موقفاً سياسياً بقدر ما تُجسد هواجس مواطنٍ أنهكته سنوات الفساد، وأرهقته الوعود المؤجلة، حتى أصبح يتعامل مع كل خبرٍ جديد بحذرٍ يوازي مقدار الأمل الذي يحمله.
وليست الغاية البحث عن مشهد إعلامي عابر، وإنما عن دولةٍ تُساوي بين جميع أبنائها أمام القانون، وتجعل من العدالة ميزاناً لا يميل بثقل النفوذ، ولا يتغير بتبدل المصالح.
أما الجواب الحقيقي عن هذه الأسئلة، فليس في البيانات الرسمية، ولا في التصريحات السياسية، وإنما في قاعة المحكمة، حيث تتكلم الأدلة، ويُطبَّق القانون على الجميع بلا استثناء، حيث هناك وحده يُولد اليقين، وهناك فقط يستعيد المواطن ثقته بأن المال العام ليس غنيمة، وأن المنصب تكليفٌ لا امتياز، وأن العدالة، مهما تأخرت، قادرة على أن تطرق أبواب من ظنوا يوماً أنها لن تصل إليهم. ولذلك، فليحذر كل من تسوّل له نفسه سرقة المال العام.
