سیما تیڤی

رحلة 236 عاما لسلالة اپيار هسن ممان من حرير إلى مهد

 

‎بير خلات الياس جعفو

 

فرمان حرير بتاريخ (1790 – 1800)
‎امتدّ صمت هرير قبل الفرمان كأنفاس الجبل الثقيلة، وكانت بيوت “اپيار هسن ممان” تتراصف كخرزاتٍ من عرقٍ وجهاد، تطلّ من علوّها على سهول عقرة البعيدة. كان بير إلياس، المجيور، يقف كل فجر على عتبة مقاماتهم، يمسح الغبار عن الأحجار المقدسة وينشد التراتيل السرّية التي ورثها عن آبائه، فتتماوج أصداؤها بين الوديان، فتطمئن القلوب أن الشمس ستشرق من جديد.

‎لكن تلك السنة، لم تشرق الشمس كما اعتادت. بل جاء الفرمان الأسود كسحابةٍ من دخان البارود والحديد، يحمله جنود الباشا وراكبو الخيل من الأطراف، يخلطون صهيل الخيل بصراخ النساء. لم يكن الأمر مجرد غزوة عابرة، بل كان إصراراً على محو اسم هرير من ذاكرة الأرض، لأنها كانت تؤوي “الكفّار” في نظر الفتوى، أو لأنها كانت تخبّئ قمحها وفضّتها عن أعين الجباة. سقط البيت تلو البيت، وتحوّلت جدرانها الطينية إلى رماد.

‎أما الناجون، فتوزّعوا بين الكهوف كأشباحٍ تلهث. تلك الكهوف التي لم تكن مجرد مأوى، بل كانت أماً بديلة تحتضن الأطفال المرتعدين، وتخفي في أعماقها لهيب الشموع التي أُشعلت سرّاً خوفاً من أن ترى العيون ضياءها. هناك، في الظلمة الرطبة، كانت الأمهات يهمسن بحكايات الأجداد، لئلّا تموت الكلمات كما مات الأبناء.

‎وإذ تكسّرت العائلة الكبيرة على صخور المنفى، كان لكلِّ فرعٍ منهم نجمٌ يهتدي به. ذلك الذي قصد القوقاس حمل في جعبته قبضةً من تراب هرير، وعاش بين ثلوج الجبال يقلّب حصى الأودية كأنها سبحة ذكرى. أما الابنان اللذان شدّا الرحال إلى تركيا، فطرقا باب خالتيهما في قرى الموصل القديمة، حيث وجدا مائدةً ممتدّة وقلباً رحيباً، لكن عيونهما ظلّت محدّقة في جهة الشرق كل مساء. واللذان وصلا سوريا، وجدا في سهول حلب وفي جبال الجزيرة مرعىً جديداً لغنمهم، لكنّ لغتهم الأم ظلّت محفوظةً في زوايا البيت، كأنها لهبٌ مقدّس لا ينطفئ. وأما الابنان الآخران، فكانت سنجار وجهتهما، ذلك الجبل الأشمّ الذي يئنّ تحت وطأة التاريخ، فصارا حجرين جديدين في صخرةٍ قديمة، يكملان جدار الصمود.

‎لكن الفاجعة الأعمق كانت في بير إلياس. قتلوه أمام مزار العائلة، وهو يرتد الادعية ، ولم يسمحوا له بأن يواريه الثرى بكرامة. وحيداً تركوه، والدم يتلألأ على لحيته البيضاء كأنه عقيقٌ منثور. سليمان، ابنه البكر، كان فتىً نحيلاً، لم يتجاوز الثالثة عشرة، لكن قلبه كان أكبر من صدره. حين رأى أباه يسقط، لم يبكِ، بل اندفع بين أرجل الخيول كالثعلب المذعور، يقطع الوديان حافياً، تخدش قدميه الصخر وأشواك السدر، بينما كانت أصوات المطاردة تخفى تدريجياً خلف التلال.

‎وصل إلى عقرة وهو يكاد يخور، وقد التصق ثوبه بجلده من العرق والغبار، كأنه جزءٌ من التراب الذي فرّ منه. راح يقرع باب عمته “مەهتێ” قرعاً متقطعاً، كنبضات الطير المذبوح التي ذكرتها الحكاية. فتحت له المرأة البسيطة، تلك التي كانت عيناها تحملان صورة أخيها إلياس، ولم تسأله كثيراً. عرفته من النبض ذاته، من رائحة هرير التي كانت لا تزال عالقةً بجلده، رغم كلّ الميل التي قطعها. آوته في حجرها، ومسحت عن وجنتيه غبار المنفى، وأدخلته مخبأً في بيتها، حيث أطفأت المصابيح وأخفت صوته بين ضلوعها، تعلم أنها لم تحمِ طفلاً فحسب، بل كانت تحمي النبضة الأخيرة لقلب هرير، تلك النبضة التي ستكبر يومها لتروي لأجيال قادمة كيف أنّ الفرمان يقتل الأجساد، لكنه يمنح الروح جناحين.

‎جذور جديدة في عقرة (1830 – 1851)
‎نشأ سليمان في كنف عمته، فكان بيتها ملاذه الدافئ وملجأه بعد أن فقد والديه. هناك تربّى على الأخلاق الكريمة، وتعلّم معنى التضحية والحبّ من امرأة عوّضته حنان الأم. وفي عام 1830، وقد اكتملت رجولته وقوي عوده، اقترن بابنتها في زفاف بهيج هزّ أركان الحي، فكانت “مهتى” شريكة عمره ومصدر سعادته. ومن رحم هذه الزيجة المباركة، رزقه الله بثلاثة أبناءٍ بررة: جعفر، وإلياس، وحجي، ملأوا البيت ضحكة وحياة، وجعلوا بير سليمان ينسى تعب الأيام.
‎لكن الفرح سرعان ما تلاشى حين حلّ عام 1840، حيث أغمض بير سليمان عينيه للمرة الأخيرة، ورحل تاركاً خلفه أرملةً حزينة وثلاثة أبناء في مقتبل العمر، يواجهون عبء الحياة دون سندٍ قويّ. كأنَّ القدر أراد أن يختبر صبر هذه العائلة الصغيرة مرة تلو الأخرى.

‎وبعد إحدى عشرة سنةً، وفي عام 1851، هبّت عاصفة الفرمان الجائر على مدينة عقرة؛ ذلك القرار الظالم الذي اجتاح المنطقة وأجبر الإيزيديين على ترك ديارهم، وسالت دماء الأبرياء في الشوارع، وانتشر الخوف في كل زاوية. في تلك الفوضى العارمة، لم يكن أمام أبناء بير سليمان الثلاثة إلا الهرب بأنفسهم، فتوجهوا نحو قرية “كلك” النائية، على أمل أن يجدوا بين إخوانهم هناك قبضةً من الأمان في زمنٍ ضاع فيه كل شيء.

‎لكن الموت كان أسرع من خطاهم. فما إن استقر بهم الحال في كلك، حتى داهمهم المرض. تناوب جعفر وإلياس على الفراش، وماتا واحداً تلو الآخر أمام عيني أخيهم حجي الذي لم يملك سوى الصمت والدموع، وهو يشاهد جذع الشجرة يتهاوى فرعاً تلو الآخر. وهكذا، بقي حجي وحيداً في القرية الغريبة، يقلّب عينيه في الفراغ وتحدّق به الذكريات من كل جانب، وهو يشعر أنه الغصن الأخير لشجرةٍ اقتُلعت بقوة من جذورها، ولم يعد له في الدنيا سوى أن ينتظر ما تخبئه له الأيام القادمة.

‎رؤية الكوجك في باسكى شيخ
‎اقتنع بير حجي بكلامهم، وشعر بأن الأمل يتجدد في صدره. فشدّ رحاله، وحزم متاعه القليل، وودّع قريته، وانطلق يمشي على قدميه في طرق وعرة وبين جبال شاهقة، حتى بلغ قرى باسكي شيخ بعد عناء طويل. وهناك قصد قرية “بير بوب” بالتحديد، حيث كان يسكن الرجل الصالح المعروف بـ “الكوجك بريم”، والذي اشتهر بين الناس بـ “بريم التوافي” لكثرة كراماته وحسن ظنه بالله، ولأن الناس كانت تفد إليه من كل حدب وصوب تطلب عنده الخير والبركة.

‎دخل بير حجي مجلس الكوجك بريم، وكانت هيبة الرجل تغمر المكان. جلس بين يديه بخشوع، وأخذ يروي له قصته من أولها إلى آخرها، ولم يترك شاردة ولا واردة إلا وحكى عنها. حدثه عن وحدته، عن عشيرته، عن رحلته الطويلة، وعن أمله الوحيد الذي لم يزل يخفق في قلبه رغم كل الصعاب.

‎أطرق الكوجك بريم برهة من الصمت، وأغمض عينيه كأنه يتأمل أمراً بعيداً، ثم رفع رأسه وابتسم ابتسامة مطمئنة، وقال بصوته الهادئ الواثق:
‎“يا حجي، اعلم أن رزقك مقدر لك، ولكن ليس هنا في هذه الديار. إن الله وضع لك خيرك وذريتك في مكان آخر. توجه إلى قرية مام رشا، فهناك ينتظرك مستقبلك، وهناك سيرزقك الله بنسل طيب يملأ حياتك بركة وفرحاً. اذهب إلى رزقك الآن، ولا تتأخر ولا تتردد، فما قدره الله لك سيأتيك لا محالة.”

‎نهض بير حجي ورأسه مرفوع، وقد غمره شعور غريب بالثقة والاطمئنان. ودّع الكوجك بريم، وشدّ رحاله متجهاً نحو قرية مام رشا، يحمل في قلبه يقيناً بأن الله سيكتب له الخير هناك، وأن العوض القادم سيكون أجمل مما يتخيل.

‎خطف القدر من قرية مام رشان
‎بحث بير حجي في قرى منطقة سكي شيخ يوماً بعد يوم. وفي قرية مام رشا، وقعت عينه على فتاة من الابيار. لم ينتظر إذناً من القدر. خطفها. ولم تهدأ نفسه حتى أوصلها إلى كلك، وتزوجها هناك.
‎وصدقت نبوءة الكوجك. رزقه الله ولداً وبنتين. سمى الولد “بريم” وفاءً للكوجك الذي دلّه على الطريق.في قرية كلك ياسين وسمى البنتين بَفري وباران. وُلد بريم عام 1886 في كلك ياسين وكانت كلك حينها قرية إيزيدية عامرة.

‎لكن الفرمان لا ينسى. عام 1904، قام فرمان جديد في كلك. حمل بير حجي عائلته وهرب إلى قرية إسماوا. ثلاث سنوات هناك، ثم انتقل إلى قرية گرفقير. سنتان أو ثلاث، ومرارة التشرد والقهر أكلت قلبه. تمرّض. وفي مساءٍ بارد من عام 1909، العام الذي سمّاه الناس “سنة الثلج الأحمر”، دعا ربه وصاحبه أن يرحمه. وسلّم روحه. دُفن في مقبرة شيخوبكر بقرية زينافا.

‎قرية زينافا والطاووس (1909 – 1919)
‎حمل بريم أمه وأختيه إلى قرية زينافا. هناك بقوا أكثر من عشر سنوات. يقول حفيدهم بير بركات: “في قرية زينافا، أقام عندهم الطاووس 18 سنة. وكان الطاووس يأتي مرتين كل عام”.

‎لكن الهدوء لا يدوم. في تشرين الثاني، جاءت امرأة مسلمة، أم لأيتام، وألقت بنفسها على أهل قرية زينافا. قالت:
‎“ليس لي أحد. لله سأبحث عن الخير. سأربي أيتامي حتى الربيع. سأبقى عندكم وسأرسل أطفالي ليرعوا ماشيتكم مقابل الطعام”.

‎أشفق عليها الإيزيديون. قالوا: “حسناً، لكن تكونين في طرف القرية السفلي”. رضيت. أعطوها بيتاً. وبعد أشهر، جاء عم الأيتام من قرية جرة. رأى الأيتام شباعى، ففي الليل نقل بيته من جرة إلى قرية زينافا. وبقي أياماً لا يخرج. وفي فجر اليوم الخامس، صعد إلى السطح وصرخ: “الله أكبر” ثلاثاً أو أربعاً.
‎استيقظ أهل قرية زينافا مذعورين. “فرمان! فرمان!” صرخوا. هربوا حفاة إلى قرية بير بوب وبيرانى. لأنهم في زمن الفرمان كانوا يذبحون الناس باسم “الله أكبر”. وخَلت قرية زينافا إلا من المرأة وعم اولادها الملا.

‎رحلة بريم بين القرى
‎ذهب بير بريم وأمه وأختاه إلى بيرانى. ثلاث أو أربع سنوات. ثم علم اپيار مام رشا أن هذا ابن أختهم. تصالحوا معه وقالوا: “تعال عندنا”. انتقل إلى قرية مام رشا. هناك تزوجت أخته الكبرى بَفري. أما باران، فخطفها أهل خاله من اپيار الهاجيالي. قالوا لبريم:
‎“هذا بدل مهر أمكم. عندما خطف أبوك حجي و لم يدفع مهراً”.

‎غضب بريم وأمه. تركوا فرية مام رشا ورحلوا إلى جروانة
‎قالت الأم يوماً: “يا بني بريم، لنرحل إلى سنجار. لنبتعد عن هؤلاء الاپيار لئلا يؤذيك أحد. فأنت وحيد”.

‎بعد أشهر، رحلوا إلى سنجار، قرية زرافكي، عند بيت زلفو حلو حسين، مختار زرافكي. بقوا ثلاث أو أربع سنوات.

‎زواج بريم الأول ورؤيا الأب
‎بحث بريم عن زوجة. وجد أرملة من اپيار هسن ممان اسمها گولي، لديها ولدان: خلف وكچو، وبنتان: صبري ونعام. وافقت. أخذها وأولادها وعاد إلى جروانة. سبع سنوات ولم يرزقه الله منها ذرية.
‎كان الولدان يرعيان الغنم. قالت أم بريم: “يا بني، هؤلاء ليسوا من صلبك. ابحث لك عن زوجة أخرى لعل الله يرزقك نسلاً”.
‎فقال بريم: “يا أمي، هذا رزق ونصيب. لا شيء بيدنا وننتظر رحمة الله”.

‎وفي ليلة، جاءه أبوه بير حجي في المنام. قال له: “يا بني، رزقك في حمدون بتركيا”.
‎في الليلة الثانية، جاءه ثانية: “يا بريم، قم اذهب إلى سنجار، ثم أوتلجه بسوريا، ثم حمدون بتركيا إلى بيت بير سمو. ابنته هي رزقك”.
‎بريم قصة الرؤيا على أمه. قالت: “يا بني، إذا جاءك ليلتين فانتظره الثالثة. قل له ليرشدك حتى تذهب وتعود بسلام”.

‎وفي الليلة الثالثة، جاءه بهيئة أبيه وأيقظه: “أنا صاحبك. قم وانطلق. سأكون معك ولا تخف”.
‎الطريق إلى قرية حمدون في تركيا
‎فرح بريم. لبس ثياباً جديدة، وأخذ سبعين روپي كانت معه. ودّعته أمه بالدعاء: “اذهب بالخير وعد بالخير”.

‎عند مدخل جروانا، قال له صاحبه: “يا بريم امشِ ورائي”. مشى خلفه من منتصف الليل حتى الصباح دون توقف. ومع طلوع الشمس، وصلا بيادر زرافكي في سنجار ، واختفى الطيف.

‎دخل بريم على المختار زلفو . حكى له قصته . فقالوا: “انتظر حتى تأتي قافلة سوريا”. بقي عندهم حتى تجهزت قافلة. ذهب معها إلى أوتلجه بسوريا، إلى بيت بير عفدو من اپيار هسن ممان. رحّب به بير عفدو: “انتظر قوافل تركيا وسأرسلك”.
‎سبعة أيام في أوتلجه. ثم أرسله بير عفدو أمانة مع قافلة إلى تركيا. أوصوه: “لا تتكلم. وإن صادفنا قطاع طرق، تظاهر بأنك أصم وأبكم”.
‎أوصلته القافلة إلى عائلة من مريدي بير سمو، فأخذوه إلى حمدون.

‎كرامة هسن ممان
‎عندما رآه بير سمو قال: “هذا الرجل فيه سر باطن”. سلّم عليه بريم وقبّل يده وعرّف عن نفسه. عانقه بير سمو: “أهلاً يا ابن أخي”.
‎قالت زوجة بير سمو: “أُقسم أنك من اپيار هسن ممان”.

‎قال بريم: “نعم”. ففرحوا.
‎وفجأة، دخلت نعجة من المرعى إلى البيت ووضعت رأسها على عتبة الفناء. قال بير سمو: “هذه من كرامة هسن ممان. اذبحوها”.

‎بقي بريم 29 يوماً. كان يجلب لهم الحطب من الجبل. أعطوه ابنتهم، وأعطى السبعين روبية مهراً. جهزتها أمها، ورحل بريم مع عروسه.
‎عادوا إلى أوتلجه، إلى بيت بير عفدو. فرح بهم. ثم مع قافلة إلى قري زرافكي في سنجار عند المختار زلفو . يومان أو ثلاثة، ثم إلى ولات شيخ. استراحوا في باقسري. أرسل أهلها خبراً إلى جروانة. جاءت أم بريم وأهل جروانة بالزغاريد. سبعة أيام دقت الطبول والزرنا لعرس بريم.

‎الامتحان والعودة
‎بعد سبع سنوات، جاء بير سمو يزور ابنته. بقي سبعة أيام. وفي اليوم السابع، قال له بريم: “يا عم، إذا كنت راضياً، خذ ابنتك معك”.
‎صُدم بير سمو: “يا ولدي، ذهبت إلى عدد دول وأعطيتك ابنتي. لماذا لست راضياً؟”
‎قال بريم: “إنها حزينة جداً عندي. خذها، سيكون أفضل لنا نحن الاثنين”.
‎حزن بير سمو: “سبع سنوات لم أعرف عن ابنتي شيئاً. وليتني لم آتِ لأفرق بينكم”. أخذ بيد ابنته وخرجا.

‎في الليل، جاءه هسن ممان بهيئة أبيه: “يا بريم ماذا فعلت؟ قم، اذهب والحق بعروستك وأرجعها”.
‎قام بريم مسرعاً. مشى من جروانا حتى الصباح، فوصل قرية زرافك يقي سنجار. وجدهم عند المختار زلفو .

‎قال بير سمو: “خير، جئت خلفنا؟”
‎قال بريم: “يا عم، صاحبي هسن ممان جاءني وقال: ارجع عروستك، وسيرزقكم الله ذرية”.
‎فرحوا جميعاً. عاد بير سمو إلى حمدون، ورجع بريم وعروسه إلى جروانة.

‎الذرية والامتداد
‎قطع بريم اللبن من الطين وبنى بيتاً في قرية باقسري له ولعروسه. أما گولي وأولادها، فأعطاهم غنماً وماعزاً، وبنوا بيتاً في قرية مام رشا وانتقلوا إليها.
‎وفي قرية باقسري، أكرمه الله. كل سنتين، رزقه ولداً حتى صاروا ثلاثة: حجي، وخدر، وسليمان.

‎كبر الأولاد. عام 1960، ذهب بير بريم مع نافخوش مختار قرية بيتناري إلى أوتلجه بسوريا، إلى بيت بير كلش ميرزا. خطبوا ابنته اسمها سێڤێ زوجة لابنه حجي و جلبوها معهم . وأقيم العرس في قرية بيتناري.
‎وكان أهل سێڤێ قد هربوا من حمدون إلى سوريا في فرمان 1914.

‎الأجيال الأخيرة (1972- الى اليوم)
‎عام 1972، جمع بير بريم أهله وأقاربه وقال:
‎“أمانة الدين والطقوس والإيمان حتى يأتي أصحابنا. وكونوا على يقين أنهم سيأتون”.
‎ثم ذهب إلى رحمة الله.

‎بير حجي، الابن الأكبر، تزوج ورزقه الله ولداً وبنتاً: بركات وشاري. وفي 2019، لحق بأبيه إلى رحمة الله.
‎شاري تزوجت في سنجار. أما بركات فتزوج من سنجار ويسكن اليوم في مجمع مهد بقرية بيتنار. رزقه الله بنتاً وأربعة أولاد: فينا، توفيت بعمر 11 سنة، وزياد، وهولڤر، وفينور، و اولڤر.

‎خدر، الابن الثاني، ذهب عام 1980 إلى عسكرية القادسية في حرب إيران والعراق. بسبب تهديدات في الجيش، هرب إلى قرية سينا. بقي سنة، ثم تمرّض، وفي 1981 مات، تاركاً ولدين وبنتاً: يوسف، وحسن، وعيشان.

‎سليمان، الابن الثالث، ذهب 1981 إلى العسكرية وأُسر بيد الإيرانيين ثماني سنوات. عاد وتزوج ورزق بولد. وفي 1992، ذهب بير سليمان إلى رحمة الله. ابنه إلياس وأمه زيتون هاجرا إلى ألمانيا. تزوج إلياس ورزق بولدين: دلهات وألكس.

‎الخاتمة: 236 سنة من النجاة
‎هذه قصة سلسلة النور الممتدة في ظلام القرون: “مجيور بير بركات، بير حجي، بير بريم، مجيور هسن ممان”، تلك الأسماء التي لم تكن مجرد ألقاب أو رموز، بل كانت نبضات قلبٍ واحد، ووصايا مقدسة تناقلتها الأكفّ المضرّجة بالدماء، من صدرٍ إلى صدر، ومن لسانٍ إلى لسان، في زمن كانت فيه الكتابة تخاف من النسيان، لكن الذاكرة الجمعية كانت أقوى من حدّ السيف.

‎امتدّ هذا المجيور (المسير المقدّس) من هرير/حرير، تلك البقعة التي كانت تتنفس عبق الجبال والكروم، لتصل إلى مجمع مهد، ذلك الحضن الذي احتضن الناجين من ريح الإبادة. مسافة جغرافية قد لا تزيد على أميال، لكنها في ميزان التحدي كانت معبراً عبر 236 عاماً من الجمر والرّماد، تبدأ من محرقة 1790، حيث تحوّلت المغارات إلى قبور، والأنهار إلى شهادات، والنسيم إلى عويل.

‎لكن النسل هناك، في تلك البقعة المقدّسة، رفض أن ينقطع كحبلٍ مقطوع؛ بل تشبّث بالجذور كشجرة صخرية. سار به صاحب السرّ (صاحب الضمير) من منطقةٍ إلى أخرى، لا يجرّ خلفه أثقالاً دنيوية، بل يحمل في جعبته جوهرة الإيمان ووهج الطقوس. كان ينتقل من قريةٍ إلى قرية، ومن فرمانٍ إلى فرمان، يتسلّل كالظل بين حدّتي الموت والبقاء، يتلو الأدعية في الخفاء، ويُشعل الشموع في كهوف لا تراها إلا النجوم، حتى إذا ما انتهت به السبل، ونضبت مياه الآبار، وقست القلوب، استقرّ به المقام في قرية بيتنار.

‎في قرية بيتنار، تلك التربة التي أصبحت أماً جديدة لهذا الفرع المتأصّل، لم يسعَ إلى بناء قصور، بل بنى معاقلَ للروح. حمل هناك أمانة الدين والطقوس، ليست كمجرد عادات موروثة، بل كوصيةٍ إلهيةٍ لا تموت. كان يحرس أسرار الأجداد، ويُعلّم الصغار لغة الأسلاف، ويُرقّع الزمن الممزّق بخيوط الادعية والنياح، عالماً أن العبور الحقيقي لا يكون بجسدٍ فحسب، بل بحفاظٍ على اللحن الذي لا يُسمع في المحافل.

‎وهو هناك، في تلك العزلة المقدّسة، لا يزال مُنتظراً أن يأتي الأصحاب، ليس انتظار المستكين الذي أوهنته السنون، بل انتظار العاشق الذي يعرف أن الموعد آتٍ لا محالة، وأن العهد مع السماء لا يُنقض. ينتظر الأصحاب ليُكملوا الطريق الذي بدأه الأولون، ليُعيدوا للتاريخ توازنه، وللأرض قداستها، وليشهدوا أن ذلك النسل الذي رفض أن ينقطع، كان في الواقع جسراً يعبر فوق نهر الزمن، من ضفة الإبادة إلى ضفة الخلود.

‎وهكذا، تظل هذه الحكاية الممتدة من جحيم 1790 إلى عتبات اليوم، نغمةً متكررةً في وجدان ابيار هسن ممان، تروي كيف أن الإنسان حين يحمل قنديل الروح، يصبح الزمان كله مجرد محطةٍ عابرة في طريق الأبدية.

المصادر:
اجرى الكاتب بير خلات الياس هذه اللقاءات في فترات مختلفة مع هؤلاء الاشخاص، وأغلبهم من ابيار سلالة بير هسن ممان
١- لقاء مع بير حجي بير بريم. بتاريخ ٩ / ٤ / ٢٠١٨م
٢- مقابلة بتاريخ ٥ / ٣ / ٢٠٢٦م مع بير بركات حجي بريم حجي سليمان إلياس الهفند
٣- لقاء مع حفيد كوجك بريم (الأستاذ درمان خيرو كوجك حجو كوجك بريم) بتاريخ ١٢ / ٣ / ٢٠٢٦.
٤- مقابلة بتاريخ ١٣ / ٣ / ٢٠٢٦م مع حربو خدر مردوس من قرية زرافكي/ سنجار.
٥- مقابلة بتاريخ ١٥ / ٣ / ٢٠٢٦م مع بير مراد غانو من قرية قسركێ / سنجار.
٦- مقابلة بتاريخ ٢١ / ٤ / ٢٠٢٦م مع شمو بريم غانم من قرية زرافكي/ سنجار.
٧- سيروان سليم حول الجغرافية الإيزيدية في القرن التاسع عشر.

><