سما_دهوك
بقلم: سیروان سلیم شرو.
عند تأسيس الدولة العراقية وتتويج الملك فيصل الأول عام 1921، دخلت منطقة شنكال (سنجار) مرحلة انتقالية كبرى اتسمت بمحاولات الحكومات الملكية وبتحريك من العشائر العربية المجاورة لشنكال..المتعاقبة بسط سيطرتها القانونية والإدارية على كافة المناطق الحدودية في اراضي شنكال . حيث واجه أبناء الديانة الإيزيدية في شنكال طوال عقود العهد الملكي من العشائر العربية تحديات عميقة تمثلت في التوفيق بين خصوصيتهم الثقافية والدينية والاجتماعية التي استمرت لقرون، وبين متطلبات الدولة الحديثة الناشئة وشيوخ العرب التي ركزت على دمج العشائر وجباية الضرائب وفرض القوانين الموحدة…وللعلم الكثير من الاراضي في ربيعة وزمار وعين زالة والقرى العربية المجاورة كانت اراضي زراعية لإبناء الديانة الأيزيدية.. واليوم أصبحت اراضي تابعة للعشاىر العربية الرحالة ( بدو) في البادية سابقا.
شهد عهد الملك فيصل الأول (1921-1933) البدايات الأولى لهذا الاحتكاك، حيث سعت الإدارة الملكية بإشراف بريطاني إلى ربط شنكال بمتصرفية لواء الموصل، وهو ما واجه تحفظاً من زعماء المنطقة التقليديين. وفي مقدمة هؤلاء القادة برز الزعيم التاريخي حمو شرو، رئيس عشيرة الفقراء والزعيم الروحي والسياسي لجبل شنكال، الذي تميز بحنكته وقدرته العالية على المناورة الدبلوماسية مع السلطات البريطانية والملكية للحفاظ على استقلالية الجبل وحماية أبناء ديانته. وإلى جانبه، ظهر الشاب الطموح الشيخ داود الداود الذي اتخذ مواقف أكثر راديكالية وممانعة واضحة ضد تغلغل العرب ، ورفض مراراً الانصياع لقرارات الإدارة الملكية. وفي المقابل، بدأت السلطة بتوطين عشائر العربية في السهل المحيطة بالمنطقة، وعلى رأسها عشيرة شمر في ربيعة، وعشائر الشرابيين والمتيوتة والجحش والمطاوعة والجبور والحديدين في زمار وعين زالة، عبر منحهم حقوق استغلال الأراضي لتأمين شريط حدودي مستقر، مما أدى إلى بروز نزاعات متكررة بين جبل شنكال والقبائل المستقرة في السهول المحيطة به على الموارد والمراعي.
تحول هذا التوتر المكتوم إلى صدام مسلح واسع في عهد الملك غازي الأول (1933-1939) ، وتحديداً في تشرين الأول (أكتوبر) عام 1935، إثر صدور قانون التجنيد الإلزامي (الخدمة العسكرية الإجبارية) من قبل حكومة ياسين الهاشمي. بعد غياب التأثير التهديدي المباشر للزعيم حمو شرو الذي تقدم في السن وتوفي في تلك الحقبة تاركاً إرثاً حكيماً من الدفاع عن الجبل، اعتبر الإيزيديون في شنكال هذا القانون تهديداً مباشراً لنمط حياتهم وعقيدتهم الدينية، فاندلعت “انتفاضة سنجار عام 1935” بقيادة داود الداود. ردت الحكومة الملكية بإرسال حملة عسكرية كبرى بقيادة الجنرال بكر صدقي، مسنودة بالطيران الملكي مع إسناد فرسان العرب، وفرضت الأحكام العرفية في المنطقة. أسفرت هذه المواجهات العنيفة عن مقتل أكثر من 200 شخص من أبناء شنكال، وتدمير عدد من القرى، واعتقال المئات ونفيهم، إلى جانب محاكمة القادة أمام مجالس عرفية عسكرية، مما عمق الشعور بالغبن والتوتر بين المجتمع الإيزيدي والسلطة المركزية، وظلت المنطقة تحت الرقابة العسكرية المباشرة حتى نهاية الثلاثينيات.
مع لجوء الملكية إلى الهدوء في عهد الملك فيصل الثاني وفترة الوصاية (1939-1958) ، تغيرت استراتيجية الدولة تجاه شنكال نحو محاولة الاحتواء السلمي وكسب الولاءات بدلاً من الصدام العسكري المباشر. بدأت الحكومات المحلية في أواخر الأربعينيات والخمسينيات بإيلاء بعض الاهتمام الخدمي للمنطقة عبر افتتاح المدارس الابتدائية، والمراكز الصحية، وشق الطرق البرية لربط القرى بمركز الموصل وبغداد. كما حرصت الشخصيات السياسية البارزة في تلك الحقبة، مثل نوري السعيد، على عقد لقاءات دورية مع الوجهاء الجدد وعائلات الشيوخ التقليديين من ورثة بيت حمو شرو والداود لإدماجهم في المشهد السياسي المحلي، ومنحهم مساحة من الاستقرار الاجتماعي مقابل الولاء للدولة، والقبول بالتنازل عن اراضيهم المانحة للعشائر العربية..وهو الوضع الذي استمر حتى سقوط النظام الملكي إثر ثورة 14 تموز 1958، والتي فتحت صفحة جديدة بالكامل في تاريخ شنكال السياسي والديموغرافي.
واخيرا المقالة قابل للتعديل وتصحيح الاخطاء واضافة معلومات.
