سیما تیڤی

القومية الدينية والمراهنة عليها.

سما_دهوك

بقلم: سيروان سليم شرو

عبر التاريخ الإنساني الطويل لم تنجح فكرة في تحريك الجماهير وإشعال الحماس في قلوب الملايين كما فعلت القومية الدينية..فباسم الدين والراية والأرض المشتركة قامت أكبر الحروب لكن خلف هذا البريق العاطفي للشعارات القومية والدينية.يبرز سؤال ويفرض نفسه على الوعي المعاصر وهو هل القومية فطرة إنسانية وهوية أصيلة أم أنها مجرد اختراع صيغ بدقة في مطابخ السياسة وأروقة المخابرات ليموت الفقراء والبسطاء دفاعاً عن مصالح الأقوياء والسياسيين …إن تفكيك هذه الظاهرة يكشف أن الديانة في الفلسفة السياسية الحديثة هي مجرد مجتمع متخيل يزرع في الانسان البسيط شعوراً بالروابط المقدسة لخدمة حدود جغرافية واقتصادية محددة ويظهر التناقض الطبقي جلياً عندما تندلع الحروب. او حوادث باسم الدين او القومية حيث يتم شحن الطبقات الفقيرة عاطفياً عبر الإعلام ليتحول الموت من أجل شعار إلى أسمى الغايات بينما يتحصن السياسيين وكبار الأثرياء في المكاتب خلف الستار يربحون الفلوس والنفوذ وثروات إعادة الإعمار وتستخدم القومية كأداة مثالية لتخدير الصراع الاجتماعي الداخلي وتوجيه غضب الجماهير نحو عدو خارجي أو شماعة المؤامرة والخيانة بدلاً من الفساد وغياب العدالة

ودليل أن شواهد التاريخ القريب والبعيد زيف التوظيف السياسي للقومية وفشله المأساوي في منطقة الشرق الاسلامي حيث قاد جمال عبد الناصر مشروعاً قومياً ضخماً غيبت فيه الواقعية السياسية وانتهى بنكسة دفع ثمنها المواطن البسيط والجنود الفقراء من معيشهم وحريتهم كما صعد حزب البعث العربي الاشتراكي بشعارات الوحدة والحرية لكنه سرعان ما تحول إلى نظم استبدادية قمعية خاضت حروباً مدمرة وصراعات إقليمية وعرقية لم تجلب للشعوب سوى الفقر والتمزق بينما بقيت النخبة الحاكمة متمتعة بالثروة والسلطة والآلية نفسها تكررت في التاريخ الأوروبي حيث استخدم سلوبودان ميلوسيفيتش القومية الصربية لتعزيز سلطته فأشعل حروب البلقان الدموية التي انتهت بتفكك بلاده وعزلتها وانهيارها الاقتصادي.

وفي التاريخ الحديث قاد نايجل فاراج خطاباً قومياً شعبوياً أدى لانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي وتبخرت الوعود الوردية ليدفع المواطن العادي من الطبقات الفقيرة والمتوسطة ثمن التضخم والغلاء بينما انسحب الساسة من المشهد وكذلك فعل القوميون الانفصاليون في إقليم كتالونيا الإسباني حين شحنوا البسطاء بشعارات الانفصال فكانت النتيجة هروب الآلاف من الشركات والبنوك وتضرر الاقتصاد وهرب القادة إلى الخارج تاركين الناس يواجهون تبعات الأزمة ومن أعمق المفارقات الفلسفية والدينية أننا إذا بحثنا في نصوص الأديان السماوية والشرائع الكبرى لن نجد ديانة واحدة تجعل من القومية أو العرق جوهراً لدينها فالأديان بطبيعتها رسائل يقال أنها إنسانية عالمية عابرة للحدود والأعراق تخاطب الإنسان من حيث هو إنسان وترتكز على قيم العدل والأخلاق لا على نقاء الدم أو أفضلية الجنس وإن محاولة دمج الدين بالهوية العرقية أو صبغ الدين بصبغة قومية هي بحد ذاتها تشويه للمقاصد الدينية واختراع سياسي بامتياز يهدف إلى إضافة شرعية مقدسة على أهداف سلطوية بحتة وهنا تبرز الرسالة الحقيقية والتحذير الفكري لأبناء الديانة الإيزيدية العريقة إن الرهان على تحويل الدين أو الديانة إلى أيديولوجيا قومية سياسية هو رهان خاسر وتجربة محكوم عليها بالفشل التاريخي الذريع:

فالإيزيدية كفلسفة ودين وإرث روحي وتاريخي أعمق وأسمى من أن تختزل في قوالب قومية ضيقة أو شعارات حزبية ومثلما فشلت الحركات القومية الكبرى في المشرق وفي الغرب فإن أي محاولة لبناء كيان أو توجه يقوم على أساس قومية دينية ستنتهي بالانغلاق والتصادم مع المحيط والواقع والخطورة الإضافية تكمن في أن السياسات القومية والشعبوية باتت اليوم محذورة ومرفوضة كلياً في النظام العالمي الجديد الذي يضيق ذرعاً بالنزعات العرقية والدينية المتطرفة ويرى فيها تهديداً للاستقرار والسلم الدوليين إن حب الأرض والتمسك بالجذور الإنسانية والثقافية هو حق فطرى مشروع لكن الأزمة تبدأ عندما يتم تسييس هذه المشاعر وتحويلها إلى أدوات صراع تخدم أمراء الحروب وسماسرة السياسة ولهذا فإن الوعي الحقيقي يبدأ عندما يدرك البسطاء والمظلومين من أبناء هذا المكون وغيره أن الحفاظ على وجودهم وحقوقهم لا يكون بالانجرار وراء أوهام القومية الدينية بل بالتمسك بقيم العدالة والإنسانية العابرة للحدود وبناء دولة المواطنة والقانون وتفويت الفرصة على النخب السياسية التي تتاجر بمشاعرهم الدينية لتبني لنفسها مجداً من تضحيات ودماء الفقراء الكادحين.
واخيرا، النظام العالمي الجديد والأقطاب الغربية (وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) لم تعد تتحرك بوازع دعم “الشعارات الدينية الاصلاحية” أو الثورية كما كان الحال في حقبة الحرب الباردة، ولا بدافع العواطف الدينية أو العرقية.

><