سیما تیڤی

مجزرة ديرسيم عام 1937-1938.

سما_دهوك

بقلم: سيروان سليم شرو

شهدت الفترة الممتدة بين عامي 1915 و1938 أربع حملات إبادة جماعية كبرى في المنطقة على يد الاسلام التركي.، بدأت بحملة إبادة الأرمن والأيزيدية عام 1915، ثم تلتها حملة إبادة عشيرة باسا الأيزيدية في شهر مايو عام 1916 بالقرب من قضاء سيرت، وفي أكتوبر من العام نفسه وقعت حملة إبادة الكلدان المسيحيين والتي امتدت من منطقة ديربون حتى قرية قشفرة المسيحية واليهودية في ناحية سميل،، وهي حملات تحدثت عنها بالتفصيل سابقاً، ومن باب الإنصاف والحياد التاريخي، اسلط الضوء على تفاصيل حملة إبادة الكورد المسلمين والعلويين في منطقة ديرسيم الجبلية الوعرة شرقي تركيا، والتي تسمى اليوم ولاية تندجلي، حيث تعتبر هذه الحملة التي بلغت ذروتها في بداية عام 1938 واحدة من أقسى الفصول المؤلمة في التاريخ الكورد المسلمين الحديث، علماً أن الكثير من الكتاب والأساتذة الكورد يتجنبون الكتابة عن حملات إبادة الكورد المسلمين في مقالاتهم بسبب الحرج أو الخجل من القول علناً بأن الإسلام العربي والإسلام الفارسي والإسلام التركي قد دارت عجلتهم وقامت سلطتهم على حساب دماء فقراء ومساكين الكورد المسلمين.
تعود جذور هذه المأساة إلى بداية تأسيس الجمهورية التركية الحديثة، حيث تبنت الحكومة المركزية سياسة صارمة تهدف إلى صهر جميع الأديان والقوميات والثقافات غير التركية، وتحويل البلاد إلى أمة ذات هوية واحدة، ولأن منطقة ديرسيم كانت تتمتع بخصوصية ثقافية ومذهبية يقطنها الكورد المسلمين، ولأن النظام العشائري المستقل هناك جعل السكان بعيدين عن السيطرة الكاملة لأنقرة، قررت الحكومة فرض نفوذها بالقوة، فقامت بتجريد السكان من السلاح، وبدأت ببناء ثكنات عسكرية، وتغيير اسم المنطقة بموجب قانون خاص صدر عام 1935، وقد زاد من تعقيد المشهد في ثلاثينات القرن الماضي أن الإسلام الكوردي كان مرفوضاً وغير مقبول في نظر المحيطين به من عرب وأتراك وعجم.
هذا الضغط المستمر دفع زعماء العشائر، وعلى رأسهم الشخصية الروحية والاجتماعية البارزة السيد رضا، إلى رفض هذه الإجراءات والدفاع عن استقلالهم الذاتي، مما أدى إلى اندلاع مناوشات ومقاومة محلية واجهها الجيش التركي بحملة عسكرية عنيفة في ربيع عام 1937، ولإنهاء المقاومة، تم استدراج السيد رضا إلى مفاوضات سلام، لكن الحكومة غدرت به واعتقلته مع ابنه وعدد من قادة العشائر، ونفذت فيهم حكم الإعدام شنقاً في أواخر ذلك العام.
ظنت السلطات أن موت القادة سينهي المسألة، لكن الأمر تطور في عام 1938 إلى حملة عسكرية ثانية وأشد فتكاً، لم تستهدف المقاتلين فقط، بل تحولت إلى عملية إبادة وتهجير شاملة للمدنيين، حيث استخدم الجيش التركي سلاح الطيران بشكل مكثف لقصف القرى والكهوف التي لجأ إليها الناس للاختباء، وشاركت في هذا القصف صبيحة كوكجن، الابنة بالتبني لمصطفى كمال أتاتورك، وتشير الشهادات التاريخية والوثائق إلى استخدام الغازات السامة لخنق العائلات داخل الكهوف، كما اتبع الجيش سياسة الأرض المحروقة، فاحترقت القرى ودمرت المحاصيل لقطع سبل العيش تماماً.
أسفرت هذه الحملة بحسب المصادر المستقلة والكوردية عن مقتل ما بين ثلاثة عشر ألفاً وأربعين ألف شخص من المدنيين والنساء والأطفال، ولم تقتصر المأساة على القتل، بل قامت الحكومة بتهجير عشرات الآلاف من السكان قسراً إلى مناطق غرب تركيا لتشتيتهم وصهرهم في المجتمع التركي، كما تم أخذ مئات الفتيات والأطفال اليتامى وتوزيعهم على عائلات ضباط أتراك لتربيتهم بهوية جديدة تماماً، وعرفت هذه القضية تاريخياً باسم بنات ونساء ديرسيم المفقودات.
المصادر والتقارير التاريخية
مذكرات المفتش العام التركي أحميد شكر أليالوات،
التقارير الرسمية البريطانية الصادرة عن السفارة بريطانية
دراسات المؤرخ الهولندي مارتن فان بروينسن
كتابات الباحث التركي إسماعيل بيشكجي

><