سیما تیڤی

اصطفاف الكواكب وذاكرة الشمس في التراث الإيزيدي

حين ننظر إلى السماء في هذه الليلة ونشاهد اصطفاف عدد من الأجرام والكواكب في مشهد فلكي مميز، قد نتذكر أن الإنسان القديم لم يكن بعيدًا عن مراقبة السماء وتأمل حركتها. لقد كانت السماء كتابه الأول، ومنها استوحى رموزه وأعياده وعاداته ومن خلال تأملي في التراث الإيزيدي، أرى أن كثيرًا من الزخارف والحلي والأزياء التقليدية تحمل أصداءً لذاكرة فلكية قديمة. فعندما ترتدي المرأة الإيزيدية قبعتها المزينة بالقطع المعدنية والخرز اللامع، أو تتزين بالقرط والحزام، يمكن قراءة هذه العناصر بوصفها رموزًا تمثل الأجرام السماوية وحركتها في الفضاء. فالقرط الدائري يذكرنا بالشمس، والحزام المزخرف بأجسام دائرية متتابعة يشبه في رمزيته مسار الأجرام التي تدور حول مركز أكبر منها. كما يمكن ملاحظة القلادة الإيزيدية المصنوعة من الذهب، والتي تتوسطها وردة كبيرة ترمز إلى الشمس، وعلى جانبيها أجسام صفراء صغيرة تمثل المجموعة الشمسية في حالة اصطفافها، في صورة رمزية تعكس ارتباط الإنسان القديم بمراقبة السماء واستلهام معانيها. هذه قراءة رمزية تجعلنا نتساءل: هل كانت بعض تفاصيل الزينة التقليدية تعبيرًا عن فهم كوني عميق انتقل عبر الأجيال؟ وهل كانت العادات اليومية تحمل في طياتها معاني أكبر من وظيفتها الظاهرة؟ إن العقيدة الإيزيدية تحتفظ بحضور واضح للشمس في كثير من طقوسها ورموزها. فمن التوجه نحو الشمس عند الشروق والغروب أثناء الدعاء، إلى ارتباط الأعياد بمواقيت الانقلابات والاعتدالات الفصلية، وصولًا إلى رمزية النور والدفء والحياة في الموروث الديني. وحتى أسماء بعض أيام الأسبوع في للغتنا الدارجة، مثل “يكشم” و”دوشم”، ما زالت تحمل أثرًا لغويًا لذاكرة شمسية قديمة بحيث يصبح الايام نفسها تدور للغويا وتوقيتيا حول الاسبوع والشمس وان حركة الرقص والعزاء الجماعي (شين) لم تكن حركة معزولة عن تمثيل الشمس فالدبكات الدائرية تدور حول المركز وكان المركز نفسه مقصود بالشمس إن تأمل هذه الرموز لا يعني بالضرورة أن كل تفصيل يمثل جرمًا سماويًا بعينه، لكنه يفتح بابًا للتفكير في حكمة الأسلاف وكيف استطاعوا أن يربطوا بين الإنسان والطبيعة والزمن والسماء في منظومة رمزية متكاملة. ربما لم يترك لنا الأجداد كتبًا تشرح كل شيء، لكنهم تركوا آثارًا من الحكمة موزعة في الأعياد والأزياء والرموز والطقوس، وما زالت تنتظر من يقرأها بعين التأمل والمعرفة

علو خلف الشرف

من كتاب الايزيديون وذاكرة السومريين

><