سیما تیڤی

الربوبية في ديانة الأيزيدية

​تحمل الموروثات الروحية والثقافات الإنسانية عبر التاريخ تقديسا كبيرا لوجدان وضمير الإنسان وصلته بالخالق، ففي التوراة، وتحديدا في سفر المزامير، جاء التأكيد على أن الرب هو فاحص القلوب وهو وحده العالم والعليم بالسرائر والمطلع على صدق إيمان البشر بوجود الرب، مما يحرم على الإنسان الحكم على ضمير أخيه الإنسان. ثم تلا ذلك في الانجيل (العهد الجديد)، حيث حذر يسوع المسيح في موعظة الجبل بوضوح أشد من إدانة ضمائر الآخرين قائلا لا تدينوا لكي لا تدانوا لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون، ومحذرا من أن ملاسنة الآخرين واتهامهم تورد صاحبها التهلكة. وصولا إلى الإسلام، ظهر هذا المنع حاسما وصارما في الأحاديث النبوية التي اعتبرت تكفير المؤمن بالرب خطيئة ترتد على قائلها، ومنها حديث الرسول محمد إن من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، وقوله إن من رمى رجلا بالكفر وليس كذلك إلا حار عليه ورجع الاتهام على قائله.
​هذا التطور التاريخي في التأكيد على ترك السرائر للخالق نجد جوهره يلتقي عميقا مع مفهوم الربوبية بمفهومه الفكري العام. فالربوبية تقوم في الأساس على فكرة الإيمان بوجود خالق أعظم وصانع حكيم لهذا الكون، والاعتماد على العقل والتأمل في الطبيعة للوصول إلى معرفة هذا الخالق، دون الحاجة إلى الإيمان بوجود وحي سماء أو أنبياء مبعوثين بكتب وشرايع تدير حياة البشر بالطرق التقليدية.
​وعند النظر إلى الفلسفة الإيزيدية، نجد هذا المفهوم متجليا بوضوح شديد كإرث روحي قديم. فالإيزيدية تؤمن بوجود الخالق الأوحد والمطلق الذي أوجد هذا الكون من عدم، وهو أصل كل وجود وهو السرمخفي… وفي الوقت ذاته، لا تقوم الديانة على فكرة النبي المرسل الذي يطالب الناس باتباع تعاليم منزلة، بل ينبع الإيمان فيها مع الوجود والذات الإنسانية والضمير الحي،،إن هذا الرابط الروحي يظهر بشكل عميق في تقديس الأيزيدية لعناصر الطبيعة، وفي مقدمتها الشمس باعتبارها نورا ومصدرا للحياة، بالإضافة إلى الماء والنار والتراب. هذا التقديس ليس عبادة لمظاهر الطبيعة لذاتها، بل هو رؤية لنور الخالق وتجلياته وقدرته في هذا الكون ..
​ومع ذلك، فإن هناك فرقا بسيطا ولكنه جوهري بين الإيزيدية والتفسير العلمي أو الفلسفي للربوبية. فالتفسير العلمي والفلسفي للربوبية ينظر إلى الخالق على أنه قوة أولى أوجدت الكون وقوانينه الفيزيائية ثم تركته يعمل كآلية ميكانيكية صامتة دون أي تدخل مباشر أو صلة روحية بالبشر. أما الأيزيدية، فهي ديانة روحية حية تنبض بالارتباط اليومي والوجداني بالخالق، حيث تؤمن بأن الخالق كون فيكون في أدار شؤون الكون عبر النورانية كنور طاووس ملك والملائكة، مما يجعل الصلة بالخالق صلة وجدانية ودعاء مستمرا وتوجها يوميا نحو النور، وليست مجرد اعتراف عقلي جاف بوجود صانع.
سيروان سليم شرو

><