سما/ دهوك
بقلم: پير ممو فرحان
إن التحرر من الإرث الشعبي ذي الطابع الديني ليس بالأمر اليسير، لأنه يرتبط بمجموعة من الممارسات والعادات التي توارثتها الجماعات عبر الأجيال بوصفها جزءاً من هويتها الدينية والاجتماعية. وغالباً ما ينظر الأفراد إلى هذه الموروثات باعتبارها حقائق راسخة لا تقبل النقاش، إذ تمنحهم شعوراً بالاستقرار النفسي وتعزز روابطهم الأسرية والاجتماعية، ولا سيما خلال المناسبات والطقوس الدينية التي تجمع أفراد المجتمع حول منظومة رمزية مشتركة. ومن ثم، تصبح هذه الممارسات بالنسبة للكثيرين عنصراً أساسياً للانتماء ومصدراً للفخر والاعتزاز.
وعموماً، يميل معظم الناس إلى تبني ما يحقق لهم الراحة النفسية ويجنبهم العزلة الاجتماعية أو الأسرية. لذلك يفضلون الإجابات الجاهزة التي تعزز انتماءهم الوجداني وتؤكد قناعاتهم المسبقة، بدلاً من الخوض في مساحات الشك أو المراجعة الفكرية التي قد تثير القلق والاضطراب. ومع مرور الزمن، تتحول هذه الممارسات المتوارثة إلى جزء من البناء النفسي للفرد، فيغرسها في محيطه الأسري والاجتماعي بوصفها قيماً جديرة بالحفاظ والاحترام، سعياً إلى نيل القبول الاجتماعي وترسيخ مكانته داخل الجماعة.
وفي هذا السياق، لا يمكن إنكار أن المجتمع الإيزيدي قد مارس بدوره هذا النمط من التمسك بالموروث، الأمر الذي أسهم في إغلاق كثير من أبواب المراجعة والنقد تجاه الأفكار والممارسات السائدة. وقد أصبحت لالش، بما تمثله من رمزية دينية، مركزاً جامعاً لممارسي هذه الطقوس، في إطار رؤية أحادية الاتجاه لا تفسح مجالاً كافياً للتعددية الفكرية أو الاجتهاد النقدي. كما أن الاعتماد على كتابات ومصادر غير إيزيدية في تفسير مبادئ الديانة الإيزيدية ما زال يشكل أحد التحديات الفكرية القائمة، في الوقت الذي تتراجع فيه محاولات إعادة قراءة التراث الديني قراءة مستقلة تستند إلى خصوصية التجربة الإيزيدية وتاريخها العريق.
ومن منظور تاريخي، ترتبط الإيزيدية بجذور ثقافية وحضارية ضاربة في القدم في منطقة كردستان والشرق الأوسط، تعود إلى فترات سابقة لظهور الديانات الإبراهيمية. غير أن العزلة النسبية التي عاشها المجتمع الإيزيدي، إلى جانب الصور النمطية السائدة عنه في بعض الأوساط الدولية، أسهمت في ترسيخ تصورات غير دقيقة حول هويته ومعتقداته. كما أن إغلاق باب الاجتهاد والنقد تجاه بعض العناصر الدخيلة على الموروث الديني منذ قرون طويلة أدى إلى استمرار هذه الإشكاليات وتعميق آثارها.
إن المجتمع الإيزيدي اليوم بحاجة إلى شخصيات فكرية وثقافية قادرة على بث الأمل وإطلاق مشاريع إصلاحية تنبع من معاناة المجتمع وتطلعاته المستقبلية. وينبغي لهذه الشخصيات أن تكون مندمجة في التفاعلات الاجتماعية وقادرة على فهم التحولات الحضارية المعاصرة. كما أن أي مشروع إصلاحي جاد يجب أن يرتكز على إعادة تقييم الأقوال الدينية والطقوس المرتبطة بها، بما يضمن انسجامها مع متطلبات العصر وسياقاته الحضارية، دون المساس بالجوهر الروحي والقيمي للديانة.
إن الممارسات والطقوس التي تشكلت عبر التاريخ ليست بالضرورة نصوصاً منزلة أو ثابتة بصورة مطلقة، بل إن بعضها نتاج تفاعلات تاريخية وثقافية متعددة تأثرت ببيئات دينية وفكرية مختلفة. ومن هنا تبرز أهمية المراجعة العلمية والنقدية لهذه الموروثات، بهدف التمييز بين المبادئ الأصيلة والعناصر التي أضيفت إليها عبر الزمن.
وأخيراً، تقع على عاتق الجيل الجديد مسؤولية تاريخية في إعادة قراءة التراث بروح نقدية واعية، تجمع بين احترام الماضي والانفتاح على المستقبل، بما يسهم في تعزيز ماهية الديانة الإيزيدية وترسيخ حضورها ويقود المجتمع نحو مزيد من الاستقرار والتقدم والانفتاح.
